تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
الْعالَمِينَ *
[ سورة البقرة ، الآية : 122 ] إشارة إلى ذلك ، واللام في العالمين للاستغراق ، فيشمل جميع الأمم الماضية من دون اختصاص بعالمي زمانهم كما عن بعض ، فإنّ ظاهر الآية الشريفة يدلّ على أنّه لم تكن امّة من الأمم إلى ذلك الوقت قد حظيت بمثل ما حظيت به بنو إسرائيل من هذه النعم ، ولا يخفى أنّ التفضيل له مراتب كثيرة وجهات متعدّدة ، فإذا فضّلت بنو إسرائيل من هذه الجهة ، فهو لا يدلّ على نفي التفضيل عن غيرهم من ناحية أخرى ، وحينئذ لا يحتاج إلى ارتكاب التأويل في هذه الآية الشريفة والقول بأنّها نزلت في شأن هذه الامّة ، دفعا لما قد يتوهّم من تفضيل بني إسرائيل عليها . قوله تعالى :
يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
. أمر بدخول الأرض المقدّسة ، بعد استمالتهم واستنشاط هممهم بذكر نعم اللّه تعالى عليهم واستثارتهم بتذكيرهم آلائه العظيمة . ويستفاد من القرائن الحافّة بالكلام أنّهم كانوا يبغون التمرّد على الامتثال والنكوص عن الطاعة ، ولذا كرّر النداء مع الإضافة التشريفيّة ، حثّا على الامتثال واهتماما بشأن الأمر ، ثمّ أكّده بالنهي عن الارتداد وإلّا كان عاقبته الخسران . ومادة ( قدس ) تدلّ على التنزّه والطهر ، يقال : تقدّس اللّه ، أي : تنزّه . وفي الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه وآله : « انّ روح القدس نفث في روعي » ، يعني جبرئيل عليه السّلام ، لأنّه خلق من طهارة ، والروح هو النفس ومركز القلب ، وقد وردت هذه المادة في القرآن الكريم في ما يقرب من عشرة مواضع ، وتقدّم الكلام فيها في قوله تعالى :
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ
[ سورة البقرة ، الآية : 30 ] ، فراجع . والأرض المقدّسة هي الأرض المطهّرة من رجس الشرك ، والتي يمكن إقامة الدين فيها ، ولعلّ هذا هو معنى البركة التي وصف عزّ وجلّ الأرض التي وعدهم بها ، قال تعالى :
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا
[ سورة الأعراف ، الآية : 137 ] ، فإنّ البركة هي الخير الكثير ، وأعلاه مرتبة هو إقامة الدين