تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
[ سورة الأعراف ، الآية : 128 - 129 ] ، وإطلاق الصبر يشمل الصبر عن المعصية ، والصبر في الحوادث وتحمّلها ، واكتساب التقوى في التكاليف الإلهيّة ، وعند تحقّق هذا الشرط منهم تنجّز الوعد الإلهيّ ، كما دلّت عليه الآية الشريفة :
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا
[ سورة الأعراف ، الآية : 137 ] . والمستفاد من مجموع الآيات الشريفة أنّ استيلائهم على الأرض المقدّسة وتوطّنهم فيها ، إنّما كان كلمة إلهيّة وقضاء ربانيّا مشروطا بالاستعانة باللّه عزّ وجلّ والصبر بجميع أقسامه واكتساب التقوى ، فإذا تحقّقت منهم يتنجّز الوعد ، وعند انتفائها تشتدّ التكاليف الإلهيّة الشاقّة عليهم ، كما تدلّ عليه آيات كثيرة تبيّن أحوالهم وأخبارهم ، مذكورة في مواضع متعدّدة في القرآن الكريم . ومن هنا حرم عليهم دخول الأرض المقدّسة ، لما أنكروا ذلك وأعرضوا عن الطاعة ، كما أخبر سبحانه وتعالى في قوله :
فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ
[ سورة المائدة ، الآية : 26 ] ، وهذا أيضا يؤكّد على أنّ دخول الأرض المقدّسة كان مكتوبا عليهم ، مشروطا غير قابل للتغيير والتبديل ، وإن لم يكن الوقت معلوما في الآيات الشريفة ، ولذا قيل : إنّ المشافهين بخطاب الدخول إلى الأرض المقدّسة ماتوا وفنوا عن آخرهم في التيه ، ولم يدخل الأرض المقدّسة إلّا أبناؤهم وأبناء أبنائهم مع يوشع بن نون . وقد ورد ذكر الوعد مع الشرط في كتاب العهد القديم ، راجع سفر التكوين 26 : 5 ، وسفر تثنية الاشتراع 1 : 6 وغير ذلك . قوله تعالى :
وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ
. تأكيد في أنّ الأمر بالدخول مشروط ولا يمكن أن ينال ذلك إلّا بالعمل بالشرط ، وبيان في أنّ النكوص عن الطاعة يرجعهم إلى الأدبار ، فينالوا الأمرّين من العذاب ، فيكون انقلاب خسران بجميع النعم التي أرادها اللّه تعالى لهم ، ومنها