تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
العصور أن يبعث منهم هذه الكثرة من الأنبياء ، ولعلّ في قوله تعالى
وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ *
[ سورة البقرة ، الآية : 47 ] ، إشارة إلى ذلك . قوله تعالى :
وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً
. بيان للنوع الثاني : من النعم التي أنعم اللّه تعالى على بني إسرائيل ، وهي النعمة الظاهريّة . وتغيير الأسلوب فيها إنّما هو لبيان أنّ هذه النعمة قد شملتهم بأجمعهم من دون استثناء ، بخلاف النعمة الأولى التي اختصّت ببعضهم ، فقال تعالى :
إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ
، وإن كان أثرها يرجع إليهم جميعا ، لأنّ النبوّة أمر إلهيّ يخصّ اللّه تعالى به من يشاء من عباده ، بخلاف الملوكيّة ، فإنّها قد تشمل الجميع . ومادة ( ملك ) تدلّ على التسلّط والاستيلاء ، وهو يختلف باختلاف متعلّقه ، وله مراتب متفاوتة جدا ، أعظمها وأعلاها مرتبة هو ملكية اللّه تعالى لما سواه ، فإنّ هذه الملكية هي الحقيقيّة ، وغيرها ترجع إليه بنحو من الأنحاء ، وقد وردت هذه المادة في القرآن الكريم في ما يزيد عن مائة وثلاثين موضعا ، وتستعمل بالنسبة إلى جميع العوالم ، قال تعالى :
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
، وقال تعالى :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
[ سورة غافر ، الآية : 16 ] ، وقال تعالى :
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ *
[ سورة آل عمران ، الآية : 189 ] ، وقد تقدّم ما يتعلّق بها في سورة الفاتحة فراجع . والمراد به في المقام هو الاستقلال بالنفس والتسلّط عليها ومالكيتهم لأمرهم بالحرية والتدبير والملكية ، بعد أن كانوا عبيدا أرقاء للقبط والفراعنة ، ليست لهم أيّة سلطة على أنفسهم وأموالهم وأمور معاشهم ، يسومونهم سوء العذاب كما ذكر عزّ وجلّ في عدّة مواضع من كتابه الشريف ، قال تعالى :
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
[ سورة إبراهيم ، الآية : 6 ] . والفرق بين هذه الآية الشريفة وآية المقام أنّ الأخير في مقام تعظيم النعم
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 125 | السيد عبد الأعلى السبزواري