تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
والتعريف باعتنائه عزّ وجلّ بهم وتفضيلهم على غيرهم ، فناسب ذلك ذكر نداء موسى عليه السّلام إيّاهم بقوله :
يا قَوْمِ
، بالإضافة إلى ضميره ، إيماء بالقرب والمزيّة ، بخلاف آية النداء . وكيف كان ، فإنّ سياق الآية الشريفة يدلّ على صيرورتهم ملوكا ، إذ لم يذكر عزّ وجلّ : « وجعل فيكم ملوكا » ، كما هو الشأن في النعمة الأولى ، وهذا يؤكّد على أنّ المراد من الملوكيّة غير ما هو المعروف ، بل هو التسلّط على أنفسهم والاستيلاء على شؤونهم وأموالهم ، وإن قدّر اللّه تعالى أن يكون فيهم ملوك كطالوت ، وداود ، وسليمان ، وغيرهم ، ولكن ذلك حصل بعد عصر موسى عليه السّلام بزمان كثير ، والآية الشريفة تدلّ على حصولها لهم في عصره عليه السّلام وتحقّقها فيهم في زمانه عليه السّلام . وممّا ذكرنا يظهر فساد ما قاله بعض المفسّرين في المقام ، من أنّ المراد من جعلهم ملوكا هو ما قدّر اللّه تعالى فيهم من الملك ، الذي يبتدئ من طالوت فداود إلى آخر ملوكهم ، فتكون الآية المباركة وعدا بالملك وإخبارا بالغيب ، فإنّ ذلك خلاف ظاهر الآية الشريفة كما عرفت . وقال بعضهم : إنّ المراد به مجرّد ركوز الحكم فيهم ، كما كانت عليه العرب قبل الإسلام . ويرد عليه ما أورد على سابقه . وكيف كان ، فالآية الكريمة تعظّم أمر هذه النعمة فيهم ، فإنّها نعمة الحرية ، والاستقلال والخروج عن التبعيّة والاستذلال . قوله تعالى :
وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ
. نعمة أخرى تشمل جميع ألطافه عزّ وجلّ وعناياته بهم التي أنزلت بآيات باهرات ، من فلق البحر ، ونجاتهم من بطش فرعون ، وتظليل الغمام ، وإنزال المن والسلوى ، وانفجار الحجر ، وغير ذلك ممّا كان له الأثر العظيم في حياتهم الدنيويّة والاخرويّة ، والتي اختصّوا بها من بين سائر الأمم ، فلم تتوفّر على أمة ممّن تقدّم على عهد موسى عليه السّلام ما توفّرت وتواردت على بني إسرائيل ، فكانوا هم المفضّلين على غيرهم من هذه الناحية ، ولعلّ في قوله تعالى :
وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى