تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
فأعيانهم في هذه الدنيا مشهودة وأرواحهم عنها مخلوعة ، وهي تسير في أفلاك العظمة ( بل تصاحب بعضها الأرواح القدسيّة والملائكة البررة ) ، وهي تيقّنت بعد المشاهدة بتوحيد الذات والفعل ، وتهلّلت عن إخلاص بعد ما ظهرت الحقيقة ، وسبّحت بعد ما رأت العجائب في الخلق وفي النفس ، وحمدت بعد ما أفاض اللّه تعالى عليها من النّعم ، فهم للحقّ واجدون وللخلق مشاهدون ، فبارك اللّه تعالى في عمرهم ، وتجلّى على قلوبهم ، لأنّهم ساروا على نهج محمد صلّى اللّه عليه وآله واقتدوا بخلفائه المعصومين عليهم السّلام ، ونبذوا الدنيا لأهلها ، وتوكّلوا على خالقهم في الأشياء كلّها ، وفي الآنات جميعها ؛ وتواضعوا للعلم والحقيقة ، فاكتسبوا أيضا من الخلائق الّتي خضعت لخالقها وأشرقت بكلمة
كُنْ فَيَكُونُ *
أسمى صفاتها ، وأعرضوا عن ذمامها وعلّموا غيرهم بمختلف درجاتهم وطبقاتهم ، وتحمّلوا عناء التعلّم من الّذين لم ينالوا شرف العزّ والعرفان إلّا لأجل سعادتهم ، تقرّبا لوجهه الكريم وبثّا لما أنعم من الفضائل عليهم بإذن منه جلّ شأنه ؛ ولذا عطف عزّ وجلّ على الطيّبات
وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ
، أي : كاسبة لها لياقة الكسب والخروج عن ظلمات الجهل ،
مُكَلِّبِينَ
مسلّطين على مخالفة الهوى ، مشدّدين على هداية الناس
تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ
ترشدون الفئة الضالّة إلى طرق التوحيد ، وتأدبونهن بآداب الشريعة الّتي فيها السعادة وارتياح النفس ممّا ألهمكم اللّه تعالى ؛ لأنّ العلم إمّا إلهام رباني أو مكتسب عقلائي ، فهما منحة منه جلّ شأنه
فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ
بالتوجّه واستيعاب الضمير بأخذ العبرة والدلالة في عجائب خليقته ، وبما منح اللّه من الألطاف المنتشرة على ما سواه ،
وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ
فتوجّهوا إليه لأنّه أخرجكم من ظلمات الجهل إلى نور العلم ، ورزقكم من أنواع الطيّبات ، وباسمه أشرقت الكائنات وتجلّت ، فلا اسم أشرف وأعزّ وأكرم من اسمه ، فهو السموّ الواقعي المنحصر به ، وهو اللائق بالذكر على جميع الأشياء دون غيره ، وبه تنكشف المهمات ، وتقضي الحاجات ، وبه يدخل المؤمن الجنّة ، وبنسيانه يدخل المنافق النار ،
وَاتَّقُوا اللَّهَ
في جميع الشؤون وتمام الحالات ؛ لأنّها السبيل الوحيد لنيل السعادة