تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
الخامس : لو تحقّق الاضطرار من غير مخمصة ، بل كان لأجل التداوي مثلا يعتبر فيه أيضا أن لا يكون متجانفا لإثم ، كما يدلّ على ذلك قوله تعالى :
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ *
[ سورة الأنعام ، الآية : 145 ] . السادس : أنّ المستفاد من سياق الآية المباركة أنّه لو اضطر إلى أكل ميتة حال المخمصة ، ولم يكن متجانفا لإثم ولم يأكل - أو صام - فمات أثم ؛ لأنّه أعان على نفسه وخالف تكليفه ، فإنّ حفظ النفس واجب شرعا وعقلا . وأمّا لو امتنع عن التداوي بالميتة أو بالخمر حتّى مات ، فإنّه لا يأثم لأنّه لا يعلم أنّ الميتة أو الخمر يشفيه . نعم لو علم ذلك ولم يأكلها - أو لم يشربها - كان حكمه حكم الفرع الأوّل ، واللّه العالم .

بحث عرفاني

ظاهر الآية المباركة وإن كان خطابا للمؤمنين بإبلاغهم تكاليف توجب رقّي نفوسهم وتنوير قلوبهم ، ولكن يحتمل أن يكون باطنها عتابا لأهل السير والسلوك الّذين يطلبون الحقّ ويسعون للوصول إلى الحقيقة بهجر الدنيا لنيل رضاه تعالى ، فناداهم ربّهم جلّ شأنه بقوله :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
أي : الدنيا بأسرها ، ففي كثير من الروايات التعبير عن الدنيا بالميتة ، فعن جعفر بن محمد الصادق ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) : « واللّه لقد نزلت الدنيا منزلة الميتة متى اضطررت إليها أكلت » ، فحرّمت الدنيا على الطالبين للحقّ والسالكين إلى ساحة قربه ،
وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ
كذلك حرّمت عليهم الصفات الّتي توجب البعد عن الأخلاق السامية كالحرص والقسوة ، بل حرّمت عليهم جميع ألوان الدنيا ومتغيّراتها حتّى الحلال منها فكيف بالحرام .
وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ
وأيضا حرّمت عليهم كلّ فعل رفع صوت النفس بالأمر به ؛ لأنّ صوتها لغير اللّه تعالى ،
وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ
وكذلك حرّم عليهم اختناق فطرته الداعية إلى اللّه العظيم بمخالب