تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
أقول : الرواية - مع قطع النظر عن السند - من باب الجري والتطبيق لما ورد من الاختلاف في شأن النزول . وفي الدرّ المنثور عن ابن عباس في قوله تعالى :
لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ
قال : كان المشركون يحجّون البيت الحرام ويهدون الهدايا ، ويعظّمون حرمة المشاعر ، وينحرون في حجّهم ، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم ، فقال اللّه تعالى :
لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ
، وفي قوله تعالى :
وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ
يعني : لا تستحلّوا قتالا فيه ، وفي قوله تعالى :
وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ
يعني : من توجّه قبل البيت ، فكان المؤمنون والمشركون يحجّون البيت جمعا ، فنهى اللّه المؤمنين أن يمنعوا أحدا يحجّ البيت ، أو يتعرّضوا له من مؤمن أو كافر ، ثمّ أنزل اللّه بعد هذا :
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا
. أقول : تقدّم منّا مكرّرا أنّ شأن النزول في الآيات الشريفة لا يصير سببا للتخصيص ولا يجدي نفعا ولا ضررا ؛ لما تضمّنته الآيات الكريمة من المعارف والأحكام ، ومكارم الأخلاق ، والكلّيات الّتي لها مصاديق كثيرة في مرّ الزمن ، وأنّ الآية المباركة في مقام بيان قاعدة أخلاقيّة ودستور إلهي . على أنّ ما ورد عن ابن عباس لا يصحّ أن يصير سببا لنزول الآيات الكريمة المذكورة ؛ لما تسالموا عليه أكثر المفسّرين من أنّ سورة المائدة نزلت في حجّة الوداع ، وقد سبقتها سورة البراءة في النزول ، فيكون قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ
بعد قوله تعالى :
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا
، وكذا بعد قوله تعالى :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
، فلا مجال عليهم إلّا أن نقول بالنسخ ، فيكون قوله تعالى :
وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ
منسوخا بما ورد في سورة المائدة ناسخة غير منسوخة ، فيدلّ على ما ذكرنا ، وتقدّم أنّ الآية الكريمة هي على إطلاقها وعمومها فلا تنافي عدم دخول المشركين إلى الحرم الإلهي ، وأنّها في مقام المنع والردع عن التعرّض لحرمات اللّه تعالى من المشركين وغيرهم .
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 275 | السيد عبد الأعلى السبزواري