تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
تعالى :
إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ
، ومع ذلك فقد ذكر عزّ وجلّ في هذه الآية الشريفة أمورا ثلاثة تدلّ على التوحيد ، ونفي الشرك ، ونفي كون المسيح ابنا له . منها : قوله تعالى :
سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ
، فإنّه يدلّ على انتفاء الولد مطلقا واستحالته عليه ؛ لأنّ الولد يماثل أبيه في سنخ ذاته ؛ لأنّه متكوّن منه ، وهذا يدلّ على الإمكان والحدوث ونسبة صفات المخلوقين له ، وهو منزّه عنها لأنّه أحد ، فرد ، صمد ، ليس كمثله شيء . ومنها : قوله تعالى :
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
فإنّه يدلّ على إحاطة ملكه على جميع ما سواء تعالى ، خلقا وتدبيرا وتصريفا ، واحتياجها له واستغناؤه عزّ وجلّ عنها فلا يحتاج إلى الشريك والولد ، بل لا يماثله شيء من الأشياء فلا ولد له . ومنها : قوله تعالى :
وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا
فإنّه يدلّ على احتياج الخلق إليه لتدبير شؤونهم وهدايتهم إلى ما هو الخير لهم وإرشادهم إلى سعادتهم ، فإنّ ذلك يكفي استغناءه عن الولد والشريك ، بل إنّ التفكّر في معنى الألوهيّة والربوبيّة يكون كافيا في الحكم بانتفاء الولد عنه عزّ وجلّ من دون احتياج إلى برهان آخر ، ولعلّ تذييل هذه الآية الشريفة بهذا الأمر لإرجاع الإنسان إلى الوجدان والتفكّر في عظمة الباري عزّ وجلّ ثم الحكم بعد ذلك ، وهذا من البراهين الاقناعيّة والأمور التربويّة الّتي اعتمد عليها القرآن الكريم لإرجاع الإنسان إلى رشده ، وله الوقع الكبير في النفوس المستعصية ، وقد ذكر في مواضع متعدّدة من القرآن الكريم . وكيف كان ، فهذه الآية المباركة تدلّ على توحيد اللّه تعالى وتنزيهه عمّا نسب إليه النصارى . مع أنّ الديانة المسيحيّة الصحيحة ديانة مبنيّة على التوحيد الخالص ، ولكن يد التحريف دخلت في كتبهم فحرّفت ما كان منافيا لعقيدتهم من التثليث والاتحاد والحلول ، وقد نبّه القرآن الكريم إلى ذلك وبرّأ عيسى بن مريم من قول اليهود والنصارى ، قال تعالى :
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ
[ سورة مريم ، الآية : 34 ] ، وفي المقام نهى سبحانه وتعالى عن قول
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 208 | السيد عبد الأعلى السبزواري