تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
وأنّ العقل ينكر الابتعاد أو التعدّي عنه ؛ لأنّ ما هو المخالف له يكون باطلا ويجب تركه ، وأنّ دعوته صلّى اللّه عليه وآله عامّة لجميع الناس من دون استثناء . وإطلاق الحقّ يشمل جميع ما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه وآله من المعارف الإلهيّة ، والتوجيهات الربوبيّة ، والأحكام التشريعيّة ، وما جاء به في شأن الأنبياء والمرسلين ، فتكون الآية المباركة توطئة لردّ ما اعتقده النصارى في المسيح عليه السّلام ، وإلى هذا يشير قوله تعالى في ما يأتي :
وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ
، فإنّ الحقّ في الموردين يرمز إلى أمر واحد ، وهو الّذي أنزله على الرسول وما جاء به من عند اللّه تعالى . الثاني : يدلّ قوله تعالى :
فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ
على أنّ الإيمان الّذي بيّنه عزّ وجلّ في ما سبق من الآيات المباركة ، وذكر فيها أصوله وركائزه هو الوسيلة الوحيدة الّتي تجلب الخير وتوصل إلى السعادة ، وأنّ حقيقة الخير تكمن في الإيمان باللّه إيمانا صحيحا على النحو المطلوب ، وأنّ ما سواه - وهم وسراب - لا حقيقة له ، وإطلاقه يشمل جميع الأنحاء الخير الدنيوي والأخروي ، المادي والمعنوي . وهو يدلّ على أنّ الإيمان مطلوب بالفطرة ، كما أنّ الإنسان يطلب الخير بفطرته وطبيعته . الثالث : يدلّ قوله تعالى :
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ
على النهي في الغلو في الدين مطلقا من أي ملّة كان ؛ لأنّ وصفهم بأهل الكتاب إنّما هو تذكير لهم بأنّ من كان كذلك لا بدّ أن يلزم بما جاء في الكتاب ولا يتعدّى عنه ، وهذا المناط موجود في أهل القرآن أيضا ، فيجب عليهم الاعتقاد بما جاء فيه ويحرم عليهم الغلو في دينهم . الرابع : يشمل قوله تعالى :
وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
على برهان قويم من البراهين الدالّة على التوحيد ، وقد ذكره عزّ وجلّ في عدّة مواضع لسعة معناه ولطفه وقربه إلى الفطرة ، فإنّ وحدة الأثر لشاهد عظيم على وحدة المؤثّر ، فهو من أتمّ الدلالة على التوحيد ؛ لأنّ وحدة النظام ووحدة المسير والغاية والهدف في المخلوقات لدليل على أنّ لهذه المخلوقات خالقا واحدا