تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
منزلتها عظيمة عند اللّه تعالى ، وقد اختارها اللّه واصطفاها على نساء العالمين مع علمهم ببراءتها ممّا نسب إليها لظهور الكرامات الدالّة على براءتها منها ، كتكليمهم عيسى عليه السّلام وهو في المهد صبيا ، فقال :
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا
[ سورة مريم ، الآية : 30 ] ، فأنكروا المعجزات كلّها ونسبوا إلى مريم البتول عليهما السّلام بما هي بريئة منه وتجاهلوا منزلتها عند اللّه تعالى ولم يقدّروا قدرها . وإمّا لأنّ الجزاء الّذي يترتّب على هذا البهتان كان عظيما ، وقد كانوا هم السبب في ما حلّ بهم من الغضب واللعنة . قوله تعالى :
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ
. جريمة أخرى من جرائمهم الدالّة على كمال جرأتهم على اللّه تعالى والاستهزاء بآياته ورسله وتماديهم في الكذب والطغيان ، وإنّما عبّر عزّ وجلّ :
وَقَوْلِهِمْ
على سبيل التبجح ، ولبيان أنّه مجرّد قول يحكي عنهم لا حقيقة له ، وهو بعيد عن الواقع . وقوله تعالى :
رَسُولَ اللَّهِ
إمّا وصف لعيسى بن مريم ، فيكون من جملة أقوالهم المحكيّة الرسالة تهكما واستهزاء بدعوته . أو على سبيل المدح والاختصاص للإشارة إلى رفعة شأنه وعظيم منزلته ولبيان فظاعة عملهم وكمال جرأتهم على اللّه تعالى ونفي الألوهيّة المزعومة فيه . أو أنّ اللّه تعالى وضع الذكر الحسن مقام ذكرهم القبيح له ، فإنّهم قد وصفوه بأقبح الصفات . قوله تعالى :
وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ
. إبطال لما زعموه من قتلهم رسول اللّه تعالى عيسى ابن مريم ، والجملة في موضع الحال ، أي : والحال أنّهم لم يقتلوه ولم يصلبوه . وإنّما نفى عزّ وجلّ القتل والصلب معا عنه عليه السّلام ، لبيان النفي التامّ ، بحيث لا يشوبه شكّ وريب فلم تصل أيديهم إليه بأي نحو من أنحاء القتل ، ودفعا به لما قد يتوهّم من أن نفي مطلق القتل عنه عليه السّلام ، لا ينافي أن يكون قتله غير عادي ، فنفى عزّ وجلّ عنه جميع أنحائه .