تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
وقد مثّلوا للقاعدة في العلل المادّية بقولهم : « كلّ اناء بما فيه ينضح » ، وتجري هذه القاعدة : « قاعدة التناسب » في جميع أقسام المسبّبات والمعلولات ، بلا فرق فيها . نعم ، إنّ الكمال متفاوت وله مراتب شدّة وضعفا ، حقيقة ومجازا ، مادّيا ومعنويّا ، أو قد يكون خفيّا مستورا ، وقد يكون ظاهرا . وتجري هذه القاعدة في المجرّدات أوّليّة كانت أو ثانويّة - وعليها بنوا أنّ الصادر الأوّل من المبدأ الفياض الأزلي لا بدّ وأن يكون فيه الكمال المطلق - بل عن بعضهم هو عين الكمال المطلق - وهو العقل الأوّل الّذي هو جامع لجميع ما يليق به من الكمال ، ومنه ينحدر بقية العقول العشرة حتّى يصل إلى العقل المادّي الفعال . حتّى أنّ بعضهم بنوا على هذه القاعدة اختلاف رتب الملائكة ، وإن كان في ذلك بحث عندنا ، كما سيأتي في محلّه . وعلى هذه القاعدة لا يمكن نقص - من الاختلاف في البيان أو الموضوع أو غيرهما - في القرآن الكريم ؛ لأنّه الصادر من الحيّ القيوم الأزلي ، وكذا سائر الكتب السماويّة إن لم تمسّه يد التحريف ، والقرآن مصون منه بالأدلّة الكثيرة ، كما يأتي بيانها في المورد المناسب لها . ولذا يكون كمال القرآن بذاته ولذاته صادر عن الحقّ بلا واسطة ، وإنّ إعجازه فيه وبه ومنه جلّ شأنه بلا فصل ، فيمكن أن تكون الآية المباركة :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
إرشادا إلى ذلك .