تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
وأمّا ما ذكره بعض المفسّرين من أنّ المراد من قوله تعلى :
بِآخَرِينَ
، أي : جنسا غير جنس الناس ، فهو بعيد عن سياق هذه الآية الكريمة وإن كان يناسب قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
[ سورة إبراهيم ، الآية : 20 ] ، وردّه بعضهم بأنّه خطأ ؛ لمخالفته لاستعمال العرب ؛ أو لأنّه من قبيل المجاز ولا يتم به المراد ، فهو غير صحيح ، وسيأتي في البحث الأدبي ما يتعلّق به إن شاء اللّه تعالى .

قوله تعالى : وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً

. تعليل لما سبق ، أي : أنّ اللّه تعالى إنّما يفعل ذلك ويذهبكم ويأت بآخرين مكانكم أطوع للّه تعالى وأتقى ؛ لأنّه عزّ وجلّ قدير ، أي : بليغ القدرة . وإنّما أبقاكم لإظهار غناه عنكم . والقدرة من صفات الذات ، ولا يعلم كنهها ولا حقيقتها - كسائر صفاته - إلّا اللّه عزّ وجلّ ؛ ولذلك إذا أريد وصفها فلا بدّ أن يكون على سبيل النفي ، أي : لا يعجره شيء . وإتيان الفعل الماضي ( الناقص ) في المقام وأمثاله ؛ لبيان الثبوت والتحقّق في مثل هذه الصفات ؛ ولدفع ما قد يتوهّم أنّه يحدث في ذاته وصفاته ، فهذه الأفعال منسلخة عن الزمان لتنزّهه جلّ شأنه عن الزمان والزمانيّات ، وقد ذكرنا ما يتعلّق بذلك أيضا في ما مضى من هذا التفسير فراجع .

قوله تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا

. بيان للعلّة الّتي توجب صرف الناس عن التقوى وإعراضهم عن الطاعة ، وهي الإقبال على الدنيا والرغبة في متاعها ، أي : من ترك التقوى وضيّع وصيته عزّ وجلّ الّتي أوصاها لجميع الأمم ابتغاء ثواب الدنيا والرغبة في متاعها ، فإنّ ذلك خطأ وسوء تقدير منه ؛ لأنّ اللّه تبارك تعالى مالك الدنيا والآخرة .