تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
الاصطفاء والحبيبيّة فائق على مقام الخلّة بمراتب كثيرة ؛ لأنّ مقام الحبيبيّة بعد مقام الاصطفاء وجعل النفس تحت اختيار المحبوب بالمرّة - كما مرّ - ومقام الخلّة لم يصل إلى هذه الدرجة ن فمقام الاصطفاء يشمل مقام الخلّة وزيادة ن بخلاف العكس فلخاتم الأنبياء - الّذي له مقام الحبيبيّة - منزلة عظيمة لم يصل لها أحد من الأنبياء . ومنها : مقام الخلّة الّتي اختصّت بإبراهيم عليه السّلام من بين سائر أنبياء اللّه تعالى ، وهي منزلة عظمى لا ينالها أحد إلّا بعد طي مراحل كثيرة منها مرحلة العبوديّة ، والتسليم ، والخلوص ، وفناء النفس فيه عزّ وجلّ - وفي بعض الروايات كان جنّة إبراهيم عليه السّلام في هذه الدنيا هي النار بعد السلام - . وقد اجتاز إبراهيم عليه السّلام هذه المراحل بأحسن وجه حتّى نال جنّة الخلّة أيضا في هذه الدنيا ، وخصّه اللّه تعالى بها دون غيره من الأنبياء عليهم السّلام ، فعرف بأنّه خليل الرحمن ، قال تعالى :
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ
[ سورة البقرة ، الآية : 123 ] . وبعد الإحاطة بما ذكرناه لا نحتاج إلى صرف لفظ الخليل عن ظاهره ، لما ذكروه من أنّه تعالى منزّه عن المعنى الحقيقي ، فإنّ الخلّة الحقيقيّة شيء لا يدركها إلّا العارف باللّه تعالى ومن وصل إلى هذه المرتبة ، وسيأتي في الموضع المناسب بيان أنّ الصفات الّتي تطلق على المخلوقين إذا لم يستلزم من إطلاقها على اللّه محال ، تطلق عليه عزّ وجلّ لكن بالمرتبة الكاملة والمعنى الأتمّ ، كالخلّة والحبّ ونحوهما . وكيف كان ، فقد ظهر فساد ما ذكره بعض النصارى في المقام - كما تقدّم في البحث الروائي - بأنّه إذا جاز إطلاق الخليل على إنسان تشريفا ، فلم لم يجز إطلاق الابن على آخر كذلك . فإنّ إطلاق الخلّة على إنسان لم يكن تشريفا بل كان حقيقيّا ولا يستلزم منه محال ، بخلاف إطلاق الابن فإنّه يستلزم الجنسيّة واللّه تعالى منزّه عنها ؛ لما يترتّب عليها من الفساد فافهم . ولمقام الخلّة آثار عظيمة ، منها : استجابه الدعاء ، فإنّه ليس معنى الخلّة