تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
صاحبها من الدنيا وأهلها ويأنس باللّه تعالى وبأوليائه ، كما حصل لهمام عند خطبة الإمام علي عليه السّلام ؛ ولعلّ قوله تعالى :
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً
[ سورة النساء ، الآية : 124 ] الأعم من الجنّة في الآخرة والجنّة في الدنيا من الصفات الحسنة والحالات الصالحة الّتي تختصّ بالأبرار وتكون مشابهة لحالات المؤمن في جنّة الآخرة ، قال تعالى :
وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً
[ سورة البقرة ، الآية : 25 ] ، وللبحث مجال واسع ، نسأل اللّه تعالى أن يوفقنا له بعد رفع هذه المصائب الّتي حلّت بهذه الأمّة بحقّ محمد وآله الطاهرين .

بحث فلسفي :

تكرّرت الآية الشريفة :
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
في عدّة مواضع من القرآن الكريم ، وهي تشير إلى برهان قويم ، وهو : « انّ وحدة الفعل تدلّ على وحدة الفاعل » ؛ لأنّ كلّ ما برز في الوجود إنّما هو شأن من شؤونه عزّ وجلّ ، وهو الّذي يحيط بها الإحاطة التامّة - الوجوديّة والعلميّة والربوبيّة والقهّاريّة - ويستكشف من وحدة الفعل وحدة الفاعل والخالق ، وهذا من أحد الأدلّة الّتي استدلّ بها أكابر الفلاسفة على ثبوت الخالق ووحدته ، وقد اعتمد عليه بعض الفلاسفة المحدّثين . ولعلّ التأكيد عليها في القرآن الكريم لأنّ مضمونها يوافق الفطرة المستقيمة ، والقرآن الكريم يرجع الإنسان إلى فطرته ويذكّره منسيّها ، فإنّ وحدة الفعل من حيث النظام والترتيب والأثر والغاية ، لدليل على ثبوت الخالق ووحدته وعلمه الأتمّ ، وقد ذكرنا في أحد مباحثنا السابقة أنّ الأسلوب القرآني في ثبوت الخالق وصفاته العليا ، هو إرجاع الناس إلى الفطرة من جهة أمرهم بالتفكّر في خلقهم وخلق السماوات والأرض وما يحيط بهم من الحوادث الكونيّة ، وهذا ما أكّد عليه القرآن الكريم في مواضع كثيرة .