تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
صفة - وإنّما التحديد في المتعلّق ، وهو الاستعداد أو القابلية ، كما تقدّم ذلك في المباحث السابقة . ومن تلك الفيوضات المعارف بجميع أنواعها ، والهداية بتمام أقسامها - كالهداية من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ، ومن ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة ، ومن ظلمة الحسّ إلى نور المعنى ، ومن ظلمة الكون إلى نور المكوّن . والإنسان الّذي هو أشرف مخلوقات اللّه تعالى له شرفيّة النيل لهذه الفيوضات والعطايا والهبات أكثر من غيره ، ولو اتّصف بالإيمان فله أسماها وأجلّها وإن كان إيمانه منبثقا عن الفطرة الكائنة فيه ، قال تعالى :
فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
[ سورة البقرة ، الآية : 213 ] ، وقال تعالى :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
[ سورة الأعراف ، الآية : 96 ] ، وقال تعالى :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
[ سورة الطلاق ، الآية : 2 - 3 ] ، وتقدّم مكرّرا أنّ التقوى لها مراتب ، منها الإيمان باللّه العظيم ، وأنّ الرزق أعمّ من المادّي والمعنوي الشامل للمعارف والإشراقات والمكاشفات ، الّتي هي أنوار التوجّه وأنوار المواجهة ، وقال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً
[ سورة الأنفال ، الآية : 29 ] ، والفرقان الّذي هو تنوير القلب والإشراق عليه من الغيب للتمييز بين الحقّ والباطل ، يتوقّف على القابلية والاستعداد ، وهو الإيمان باللّه تعالى الملازم للتقوى ، وله مبرز خارجي وهو العمل الصالح ، وقال تعالى :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً
[ سورة النور ، الآية : 21 ] ، أي : ولولا فضل اللّه عليكم لما نمت نفس بالخيرات والبركات ، بل أنّها ترسّبت وبقيت في حال السكون والنزول إلى الهاوية . بل أنّ شراء الحقّ سبحانه وتعالى من المؤمنين أموالهم وأنفسهم بأنّ لهم الجنّة ، كان بالعاجل لا بالآجل ، فإنّه عزّ اسمه جلّ أن يعامل العبد نقدا ويجازيه