تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
لِلَّهِ
[ سورة النحل ، الآية : 48 ] ، وقوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
[ سورة الحج ، الآية : 18 ] ، ولا يترتّب على هذا القسم سوى الكمال الذاتي النفسي . وأخرى : اختياريّة ، أي : لا جبر في البين ، قال تعالى :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
[ سورة الإنسان ، الآية : 3 ] ، ولا بدّ في هذا القسم من التقرير الشرعي ، ويترتّب عليها الكمالات المعنويّة - كالتقرّب إليه تعالى والوصول إلى أعلى المقامات - والآثار الوضعيّة . ومنشأ العبادة الشعور بالافتقار بأي مرتبة كان الشعور ، كما ثبت في الفلسفة الإلهيّة ، فهو الدافع للعبودية له جلّ شأنه ؛ ولذلك لا بدّ في المعبود من الصفات المتفرّد بها ، ويكون هو في منتهى الكمال ، وذلك مختصّ باللّه جلّت عظمته ، وغيره لا يستحق العبادة لافتقاره إليه جلّ شأنه ، وأنّ الفاقد للشيء لا يعطي الشيء أبدا ؛ ولذلك يكون اتّباعه غرورا ولا تكون عبادة حقيقيّة ، بل العبادة تختصّ به تعالى ؛ لافتقار الكلّ إليه واستغنائه عن الكلّ ، وأنّ الممكنات في جميع جهاتها محتاجة إليه تعالى ، وأنّ ما سواه فيء وظلال .
من لا وجود لذاته من ذاته * فوجوده لولاه عين محال
ولذلك يكون الشرك في المعبود محال عقلا ، كما أنّ الضدّ فيه تعالى كذلك ، وفي بعض الدعوات : « يا من لا ضدّ له » ؛ لأنّ ما سواه تعالى خلقه ويرجع إليه ، فلا يتصوّر الضدّية في ذلك ، لما ثبت في محلّه أنّه يشترط في الضدّين التساوي في الذات وفي الصفات ، وبعد فرض التفرّد في الذات والصفات تستحيل الضدّية ؛ لأنّه ليس كمثله شيء ، فاتّباع غيره تعالى مجرّد غرور ولا تكون عبادة حقيقة ، كما مرّ . وإنّ العبادة لا تليق إلّا للغني بالذات ، بحيث لولاه لم يكن هذا الوجود ، ولولا أسراره لتلاشت الكائنات ، ولولا نعوته وصفاته لاضمحلت البدائع ممّا سواه ، ولم تكن لعالم الشهادة عين ولا أثر .