تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
والانقياد لرسوله وميل عن التوحيد الّذي هو أصل الدين وأساس كلّ كمال ، وكفى بذلك صارفا عن الغفران ونيل كلّ توفيق وهداية .

قوله تعالى : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً

. تعليل لعدم غفران اللّه تعالى للمشرك ؛ لأنّ الشرك يوجب الضلال والبعد عن الصراط المستقيم ، وفيه فساد للعقل والفطرة ورجوع عن سبيل الرشد ، فلا يجتمع معه خير أو خلق كريم ، بل لا يمكنهما أن يضعا مفاسد الشرك وشروره ، فلا يكون مؤهّلا لنيل رحمته والعروج إلى جواره عزّ وجلّ ؛ ولذا وصفه تعالى بالضلال البعيد لعظم أثره وشدّته . وتقدّم مثل هذه الآية الشريفة في هذه السورة أيضا ؛ ولعلّ الوجه في تكرارها - واللّه العالم - إمّا لأجل بيان أهميّة الشرك وعظم أمره . أو للإعلام بأنّه الأصل في صدّ الإنسان عن الكمال ، وعائق كبير عن تهذيب النفس وتحليتها بالمكارم والفضائل . وإمّا لبيان الآثار المترتّبة على الشرك باللّه العظيم ، فقد ذكر عزّ وجلّ في الآية المباركة السابقة أنّ الشرك سبب للافتراء والكذب ؛ لأنّه يوجب الإعراض عن داعي الفطرة الّذي يدعو إلى التوحيد ، الّذي هو أساس كلّ دين ، وهذا هو الافتراء والكذب ؛ لأنّه تغرير للنفس وإبطال لجميع المعارف الإلهيّة وإعراض عن كلّ خلق كريم ومانع عن التخلّق بالأخلاق الإلهيّة . وفي هذه الآية الشريفة يبيّن عزّ وجلّ أثرا آخر من آثار الشرك ، وهو الضلال البعيد ، أي : إبعاد للإنسان عن كلّ هداية تكوينيّة وتشريعيّة . وصرف له عن الفطرة المستقيمة الداعية إلى الاستكمال بالكمالات الواقعيّة . وإمّا للإشارة إلى نبذ الشرك بجميع أقسامه ، الشرك في الذات والفعل والعبادة ، وقد تكفّلت الآية السابقة لنفي الشرك في الذات والعبادة ، وفي المقام يبيّن نفي الشرك في الذات والفعل .