تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
وكيف كان ، انّ الزلخ وجع يأخذ في الظهر لا يتحرّك الإنسان من شدّته . وذكر الواقدي في المغازي أنّ المشركين في غزوة ذات الرقاع كانوا من بني أنمار وثعلبة . إذا ما ورد فيها تكون نفس غزوة ذات الرقاع . ويمكن الجمع بين ما تقدّم وبين ما ذكره الواقدي بأنّ المشركين كانوا في غزوة ذات الرقاع من قبائل متعدّدة أكثرها ثعلبة وبنو محارب ومنهم بنو أنمار أيضا ، فلا تنافي حينئذ . وعلى أيّة حال لا يهمّنا ذلك . وإنّها تدلّ على عنايته جلّت عظمته برسوله الكريم ودوام إمدادته الخاصّة به بحفظه عن المشركين الّذين هم كانوا أعداء له صلّى اللّه عليه وآله ، ولعلّ الوجه في عدم قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الرجل لإتمام الحجّة عليه ، وأنّه صلّى اللّه عليه وآله ليس في مقام الانتقام أو التشفّي ، وأنّ الآية الشريفة المذكورة فيها إمّا من باب التطبيق ، أو من باب تعدّد النزول . وفي الدرّ المنثور بإسناده عن ابن عباس قال : « صلّينا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بين مكّة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف شيئا ، ركعتين » . أقول : تدلّ الرواية على أنّ القصر في الصلاة في السفر الشرعي لا يناط بالخوف ، وما ذكر في الآية المباركة من إحدى حكم التشريع لا العلّة المنحصرة بها الحكم ، كما في مثل الإسكار على ما تقدّم في التفسير . وممّا ذكرنا يظهر الوجه في ما رواه البخاري وغيره عن حارثة بن وهب الخزاعي قال : « صلّيت مع النبيّ صلّى اللّه عليه وآله الظهر والعصر بمنى أكثر ما كان الناس وآمنه ركعتين » ؛ فإنّ السفر الشرعي تحقّق سواء كان ذلك بمنى أو غيرها ، وهو موجب لقصر الصلاة . وفي الكافي بإسناده عن داود بن فرقد قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام قوله تعالى :
إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً
؟ قال : كتابا ثابتا ، وليس إذ عجّلت قليلا أو أخّرت قليلا بالّذي يضرّك ما لم تضع تلك الإضاعة ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يقول :
أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا
» .