بحث عرفاني
تقدّم في أحد مباحثنا السابقة أنّ مقام الشهادة من أجلّ المقامات وأرفعها ، ولذا اختصّ به الأنبياء العظام وأوصياؤهم ، وهي تختلف حسب اختلاف الأمم ، وحسب المشهود عليهم ، وأفضلها شهادة نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه وآله ، فهو الشهيد على جميع الخلق في أعمالهم ومعتقداتهم ، ويدلّ عليه قوله تعالى :
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً
، وإنّما يكون شهيدا إذا حضر عنده الخلق ؛ لأنّ الشهود من الحضور فلا بد وأن تكون الحقائق حاضرة عند الشاهد ويكون مطلعا عليها مراقبا لأوضاعها وحالاتها ، ولا يصل الشاهد إلى هذه المرتبة إلا إذا كان مراقبا لنفسه ومطّلعا على أحوالها يجاهد على إصلاحها ، ويطلب بذلك مرضاة اللّه تعالى ومحبّته ، ولا يرى شيئا إلا ويرى اللّه حاضرا عنده ، كما عن سيد العارفين أمير المؤمنين عليه السّلام ، فيصل الشاهد إلى مرتبة يحضر لديه كلّ أحد ويظهر له معتقده ويكشف عن حاله ، ولا ينال هذه المرتبة إلا المخلصون من عباده تعالى ، الذين استثناهم إبليس من غوايته ، فتختصّ بالأنبياء والأولياء عليهم السّلام ومن حذى حذوهم من الأبرار والصلحاء .
وأما شهود الحضرة المحمديّة على الخلق جميعا ، فلأنّه خاتم الأنبياء الشاهدين على أممهم ، بل هو العلّة الغائيّة للعالم ، وأنّه الواصل إلى مرتبة حبيب اللّه والفناء فيه عزّ وجلّ ، فلا بد أن يحضر الخلق لديه وتظهر معتقداتهم عنده .
والظاهر أنّ الاستفهام في الآية الشريفة لأجل استبعادهم أن يكون صلّى اللّه عليه وآله شهيدا يشهد على أعمالهم وسرائرهم ، وهو من أفراد الإنسان ، ويكون مطّلعا على جميع حالاتهم ، وقد تفانوا في طلب الدنيا وجبلت قلوبهم على حبّها واستحكمت الملكات الرذيلة في قلوبهم ، والآية المباركة تخبرهم على تحقّق الشهادة ، وأنّها واقعة لا محيص عنها ولا شكّ فيها .