تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
دركها بحقيقتها وكنهها ، ولا يمكن أن يصل إليها عقول البشر ، فاللّه تعالى عالم ، أي : ليس بجاهل ، لأنّ حقيقة علمه عزّ وجلّ لا يمكن دركها ولا تصل إليها فهم الإنسان ، فإنّ ذلك في الصفات الكماليّة التي يجب أن يتصف بها الذات المقدّسة ، وإلا استلزم النقص بالنسبة إليها ، لا الصفات السلبيّة التي يجلّ أن يتصف بها . ثم إنّه جلّت عظمته منزّه عن الظلم ، كما دلّت عليه الأدلّة الكثيرة ، فمن الكتاب آيات عديدة ، منها قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
[ سورة يونس ، الآية : 44 ] ، وقوله تعالى :
وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
[ سورة الكهف ، الآية : 49 ] . ومنها : الآية التي تقدّم تفسيرها :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها
، والمستفاد من هذه الآية الشريفة أمور : الأوّل : أنّ عدم وقوع الظلم منه لا عن نقص في القدرة الأزليّة ، بل لأجل أن حكمته اقتضت أن لا يظلم أحدا ، وهذا هو معنى العبارة المعروفة : « إنّ اللّه لا يظلم لحكمة ، لا لقدرة » كما تقدّم ، فإنّ قدرته تامّة كاملة قد تعلّقت بجميع الأشياء حتّى الممتنعات ، ولكن الحكمة الإلهيّة اقتضيت أن لا يفعل ذلك ، وهو لا يفعل شيئا خلاف الحكمة ، فإنّ الذي يقدر على مضاعفة الحسنات لقادر على سلبها عن صاحبها ، ولكنّه لا يظلم أحدا . الثاني : أنّ وقوع الظلم منه يستلزم الجهل ، وهو منزّه عنه تعالى ، فيرجع نفي الظلم عنه إلى علمه الأتم بحقائق الأشياء ، والظالم يجهلها فيظلم . الثالث : استغناؤه عن الظلم ، فلا غرض له يتعلّق به ، وهو منزّه عنه ؛ لأنّ اللّه تعالى يضاعف الحسنات ويعطي الأجر العظيم لمن استحقّه ، فهو أجلّ من أن يسلبه عنه . ثم إنّ نفي الظالم عنه تعالى لا يثبت العدل له جلّت عظمته ، بخلاف العكس كما هو واضح .