تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
قوله تعالى :
وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ
. تعليم إلهي وتربية ربانيّة لأفراد الإنسان بالاعتناء والاهتمام بما ينفعهم ، وإرشاد إلى ما هو الإصلاح لهم في ترك ما يكون سببا في شقائهم وضررهم ، فإنّه لما نهاهم عزّ وجلّ عن تمنّي ما لا يمكن تحقّقه ، بل يأبى اللّه سبحانه وتعالى أن يحقّقه ، لاستلزامه الفوضى واختلال النظام ، أرشدهم إلى ما ينبغي توجيه داعية الفطرة إلى ما هو الصحيح ، فأمرهم بصرف التمنّي الذي هو فطري للإنسان إلى وجهه الكريم ، ووجّههم إلى السؤال عن فضله العظيم ، فإنّ الفضل بيد اللّه تعالى ، ويقضي حوائجهم حين يسألونه من الوجه الصحيح ، ويفيض عليهم بحسب ما يشاء . ومورد الفضل إما أن يكون مورد رحمته الواسعة التي وسعت كلّ شيء ، وبهذا المعنى جميع ما سواه فضل منه جلّ جلاله ، ولا استحقاق في البين ، فإنّ الممكن محتاج بذاته إلى فضله العظيم ، وإما أن يكون بالإنعام زائدا على أصل الخلقة ، وهو يختلف بحسب العوالم ، فإنّ منها ما يكفي في إحداثه صرف الأمر فقط ، كعالم المجرّدات بمراتبها وأنواعها ، ويعبّر عنه بعالم أشعة الجمال والجلال ، ولا وجه للتعبير بالفضل بالنسبة إلى هذا العالم . وإما أن يكون من عوالم المادّة التي لا بد من تخللها في جميع نشئاتها ، ويصحّ التعبير عنها بالفضل حينئذ . والدنيا بأهلها المسجونين فيها دار فضل اللّه تعالى ، فاسالوه من فضله ، فإنّه يستجيب دعائكم حسب الاستعدادات والمقتضيات . وقد أبهم عزّ وجلّ الفضل في الآية الشريفة لتعليم الإنسان أن يسأل ربّه من فضله الكريم بحسب الواقع ، لا بحسب ما يتخيّله ، فإنّه جاهل بحقائق الأمور ، فقد يسأل ما يضرّه في الواقع وما يكون سببا في هلاكه ، وهو لا يعلم بذلك ، أو يسأل ما يكون خلاف الحكمة الإلهيّة - كما في تمنّيهم - وهو يلحّ في الدعاء والمسألة .