تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
فكلّ اكتساب كسب ، ولا عكس . وأكثر استعمال الاكتساب في القرآن الكريم في الإثم وما يكون ضررا على الإنسان ، قال تعالى :
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ
[ سورة النور ، الآية : 11 ] ، وقال تعالى :
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً
[ سورة الأحزاب ، الآية : 58 ] . ولعلّ وجه تخصيص الاكتساب في الشّر والكسب في الخير ؛ لأنّ الاكتساب فيه أعمال ومشقّة حاصلة من تحمّل الجزاء العظيم الشديد ، أو لأنّ النفس تعمل بجميع قواها في تحصيل الشرّ . وكيف كان ، فقد استعمل الاكتساب في الخير أيضا ، كما في الآية الشريفة ، إذ التمنّي فيها لا يكون إلا في الخير والفضل . وذكر بعض المفسّرين تبعا لبعض أهل اللغة أنّ الكسب والاكتساب يختصّان بما يحصل للإنسان بعمل اختياري ، كالطلب ونحوه ، وهو صحيح بحسب الغالب ، وإلا فقد يطلق الكسب على ما ليس كذلك ، كما يقال في كسب الأخلاق بالمعاشرة والصفات ، وذكر الفقهاء أنّ الكسب ما يحصل للإنسان بالملك والجدّة والاختصاص ولو بالإرث الذي هو غير اختياري ، فلا يختصّان بالعمل الاختياري فقط ، بل يشمل ما إذا لم يكن كذلك ، كما إذا كان صاحب الفضل ذا مزية تكوينيّة كالجمال ، وحسن الصوت والذكوريّة والانوثيّة التي تخصّص لأصحابها سهما معينا ونصيبا مفروضا . فالآية الشريفة بمنزلة التعليل للنهي عن التمنّي في صدرها ، أي : لا تتمنّوا ذلك ، فإنّ الفضل قد اكتسبه صاحبه إما تكوينا أو اختيارا ، فالنصيب الذي أعطاهم اللّه تعالى هو ممّا اكتسبوه ، وقد خصّه اللّه تعالى لكلّ واحد من الجنسين وفضّل به بعضهم على بعض ؛ لأنّه ممّا أحرزه خلقا وتكوينا أو بتجارة وعمل ، وإنّما ينال ذلك بالاكتساب فقط لا بالتمنّي الذي يدعو إلى الشرّ واختلال النظام ، كما عرفت .
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 150 | السيد عبد الأعلى السبزواري