تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
وتصور هذه الموضوعات الثلاثة بنفسها يغني عن الاستدلال على امتناع دعوى الألوهية ، فالآية الشريفة من القضايا التي قياساتها معها . وإنما جمع سبحانه بين هذه الأمور الثلاثة ، لبيان أن هذه الصفات موجبة للدعوة للّه ، والإرشاد اليه . ولأجل الأعلام بأن الذي يؤتى هذه الأمور قد تربى بتربية إلهية لا تصدر منه هذه الدعوة الباطلة ، ولا يملك ذلك لعلمه ببطلانها ، لأن الأنبياء هم أرفع شأنا وأجلّ قدرا من أن يدعي أحد منهم هذه الدعوة . قوله تعالى :
ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ
. العباد جمع عبد ، ويختص استعماله بما إذا نسب إلى اللّه تعالى ، يقال : عباد اللّه . ولعله لأن العباد من العبادة دون العبيد الذي هو من العبودية التي لا تمتنع أن تكون لغير اللّه تعالى ، يقال : عبيد فلان . ولا يقال : عباده . والتقييد بقوله
« مِنْ دُونِ اللَّهِ »
لبيان أن هذا القول جحد للألوهية وانكار لمقام الربوبية ، وتغيير للعبودية الحقة المنحصرة في اللّه تعالى وللاعلام بأن الشرك في الألوهية إنكار لأصلها ، لأن اللّه تعالى لا يرضى من عباده إلا الخلوص والإخلاص في عبادته ، قال تعالى :
« وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ »
البينة - 5 . والمعنى : لا يحق لبشر قد أنعم اللّه عليه بالكتاب والحكم والنبوة وتربى بالتربية الإلهية أن يدعو الناس - الذين بعث إليهم - إلى عبادة نفسه ، ويدعي الألوهية لها ، فان ذلك مستحيل لم يقع أبدا ، فان من كان كذلك لا يخرج عن زي العبودية للّه تعالى ، وأنه عز وجل لم يمنح الكتاب والحكم والنبوة لمن يدّعى لنفسه الألوهية .
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 93 | السيد عبد الأعلى السبزواري