ان هذا التهويل والتخويف يستفاد من لفظ العذاب المعهود الموصوف بالعظمة .
وكيف كان ففي قوله تعالى :
« أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ »
التفات لغرض التوبيخ والتقريع . وانما قدم عز وجل جزاء الظالمين لمجاورته لقوله تعالى :
« تَسْوَدُّ وُجُوهٌ »
وتوبيخا لهم وتشنيعا لفعلهم ، مع أنه عز وجل ابتدأ بذكر أصل الثواب واختتم بجزاء المفلحين ليكون الابتداء والاختتام بما يشرح الصدر ويسر الطبع ، وللاعلام بأن رحمته سبقت غضبه . وحقيقة هذا الخطاب عامة بالنسبة إلى الدنيا والآخرة .
والمراد بالإيمان الظاهري منه أي الذين آمنوا به كما أن المراد بالكفر ترك الاعتصام بحبل اللّه فتفرقوا واختلفوا وبدّلوا دين اللّه تعالى وهتكوا حرماته فكفروا بأنعم اللّه وحينئذ لا تختص الآية الشريفة بطائفة خاصة كما قيل بل تعم جميع من آمن صورة وترك العمل بما آمن به وكفر بأنعمه عز وجل .
قوله تعالى :
فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
.
انما اطلق عز وجل العذاب ولم يصفه بأمر تعظيما له وتهويلا ، والأمر للإهانة ، والفاء للإيذان بان العذاب مترتب على الكفر كما يدل عليه ذيل الآية الشريفة
« بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ »
والباء للسببية .
وانما جمع عز وجل الفعل الماضي والمستقبل للدلالة على استمرارهم على الكفر وكأنه صار طبعهم وبذلك استحقوا الجزاء الأليم وان ذلك العذاب جزاء أعمالهم اختاروه بسوء أعمالهم .
قوله تعالى :
وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
.
الرحمة عامة شاملة لجميع مواهبه تعالى وإفاضاته بالنسبة إلى عباده