تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
وكيف كان فإنّ جميع تلك الجهات موجودة في نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) الذي جعله خاتما لما سبق وفاتحا لأبواب المعارف على اللاحقين وهو صاحب المعجزة الخالدة . قوله تعالى :
مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ
. في الآية المباركة التفات عن الضمير إلى الظاهر ، وعن الحضور إلى الغيبة تفخيما لهذه الدرجة والمنقبة وتعظيما لهذه الفضيلة ، ولأنّ التكليم إنّما يكون فضيلة عالية وخصلة سامية إذا كان مع عظيم ، فاكتساب الفضل والسّموّ - في المقام - بإضافته إلى اللّه عزّ وجلّ . ومادة ( كلم ) تأتي بمعنى التأثير المدرك بإحدى الحاستين كالكلام بالسمع ، والجرح بالبصر ، فالكلام إظهار المراد ، ولا يعتبر في التأثير والإظهار أن يكون بالآلات الجسمانية ، لأنّ الألفاظ موضوعة للمعاني الأعم مما يمكن إحاطة العقل بها أو ما لا يمكن ذلك ، ولكن لو فرض أنّه أحاط بها لحكم عليه بالصدق والحقيقة ، وهذا وجداني فإنّه كم كانت من معان غير معقولة في غابر العصور إلا أنّها صارت معقولة ومحسوسة في عصرنا ، وسيأتي في البحث الفلسفي ما يتعلق بالكلام الإلهي . والآية المباركة مجملة في المقام وتشرحها آية أخرى من أنّه كان مع موسى بن عمران ( عليه السلام ) قال تعالى :
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
[ النساء - 164 ] ، وقال تعالى :
قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي
[ الأعراف - 144 ] ، وقد ورد في السنة الشريفة متواترا تكليم اللّه تعالى نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) بدون توسط جبرائيل كما في المعراج وغيره . وقيل : إنّ المراد مطلق الوحي لأنّه تكليم خفي وقد اطلق عليه التكليم في قوله تعالى :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ
[ الشورى - 51 ] . ولكن هذا الوجه لا يمكن المساعدة عليه فإنّ وحي اللّه وإن كان عاما
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 185 | السيد عبد الأعلى السبزواري