تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
ومطيتين يقطع بهما العامل كلّ طريق مخوف حتى يصل إلى المطلوب . فهما جزءا إرادته ، يكشفان عن شدة تعلّق صاحبهما بمتعلّقهما ومحبته لهما ، فكلّ حبّ مصحوب بالخوف والرجاء ، وعلى قدر تمكنه من قلب المحب يشتد خوفه ورجاؤه ، فإنّ التطلع إلى رؤية المحبوب ورجاء ملاقاته يصحبهما توقع حدوث المكروه ولا أقلّ من احتمال صرفه عن رؤية المحبوب فيظلّ الإنسان دائما بين الخوف والرّجاء ، وهو يعيش بينهما امنا مطمئنّ النّفس إذا كانا متعلّقين باللّه تعالى ، قال عزّ وجل :
يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ
[ الإسراء - 57 ] ، وفي الحديث « ما اجتمعا في قلب عبد في هذا الموطن - أي عند النزع - إلا أعطاه اللّه ما رجا وآمنه مما يخاف » . ومما ذكرنا يظهر أنّ حقيقة الرّجاء تتقوّم بأمور : الأول : إنّه جزء من الإرادة في الإنسان التي بموجبها صارت أفعاله ذات قيمة أخلاقية . الثاني : إنّه يتعلّق بما هو متوقع الحصول بعد ما مهد جميع أسبابه الاختيارية ولم يبق إلا الأسباب الخارجة عن الاختيار فيرجو تمهيدها ورفع الموانع عن تحقيق المرجو ، ولأجل ذلك لا ينفك الرجاء عن العمل ، وهذا مما أكد عليه القرآن الكريم في مواضع متعددة ، قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ
[ البقرة - 218 ] ، أي إنّ الرجاء لا يليق إلا بهؤلاء فلا يستحقه غيرهم . وقال تعالى :
فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً
[ الكهف - 110 ] ، ولقد ذم الإسلام من يرجو الغفران بدون العمل والإيمان ، قال تعالى :
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا
[ الأعراف - 169 ] ، وقال نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) « الأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنّى على اللّه الجنة » . وفي الكافي عن الصادق ( عليه السلام ) قيل له : إنّ قوما من مواليك يلمّون بالمعاصي ، ويقولون : نرجو ، فقال ( عليه السلام ) : « كذبوا ليسوا لنا بموال
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 320 | السيد عبد الأعلى السبزواري