تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
وفيه إيماء إلى أنّ الاعتداء ما إذا كان صادرا عن ابتداء ، فأخذ عليهم وألزمهم بفعلهم ، أي أنّه وقع عليهم بفعلهم . والمعنى : من اعتدى حدود الحق عليكم فاعتدوا عليه مجازاة ومعاملة بالمثل بمقداره دون الزيادة . وهذا حكم عقلي يجري في جميع شؤون حياة الإنسان النظامية والاجتماعية . وقد استدل فقهاء المسلمين بهذه الآية المباركة في مواضع متعددة في الفقه الإسلامي وأسسوا قاعدة المثلية في الضمانات طبقا لهذه الآية الشريفة ، وهي قاعدة فطرية إلا أنّ التحديدات الواردة عليها إنّما هي شرعية كما هو الشأن في كثير من القواعد الفطرية . والمراد بالمثلية المتعارفة منها في الكم والكيف وسائر الجهات الفرعية المختلفة لأجلها الأغراض العقلائية ، ومن التحديد بالمثل يستفاد أنّ الزيادة عليه اعتداء لا بد وأن يقتص بها . وليس المراد بالمثلية العقلية منها فإنّها غير ممكنة بل هي مستحيلة إذ كيف يمكن تحصيلها مع ما يعتبر فيها من تحقق جميع النسب والإضافات العامة كالزمان والمكان ونحو ذلك ، ولذا لم تعتبر في الإسلام المبني على التيسير والتسهيل . وإنّما أفرد الضمير في « عليه » باعتبار لفظ « من » . ويستفاد من الآية الشريفة العدل الإسلامي الجاري في القليل والكثير والضعيف والقوي . والفقير والغني وكان ذلك معيارا للتمييز بين الحق والباطل . قوله تعالى :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
. ترغيب إلى ملازمة الاحتياط مهما أمكن ، فإنّ المقام مقام الشدة والبأس ، واستيلاء القوة الغضبية الداعية إلى الانتقام والطغيان والانحراف عن الاعتدال أمرهم بملازمة التقوى والاستقامة في الدّين وتحذير لهم بأن لا يتعدّوا عما رخصه اللّه تعالى ، فاتقوا اللّه في جميع شؤونكم وفي جميع حالاتكم ، واعلموا أنّ اللّه مع المتقين وناصرهم ، وهم محتاجون إلى نصرته وولايته في مثل هذه الحالة .