تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
والقول بأنّ المراد من الإيمان - في المقام - هو الصلاة ، كما قال به جمع من المفسرين وورد به الحديث إنما هو من بيان أحد المصاديق وإلّا فإن سياق هذه الآية يدل على أن المراد به هو معناه المعهود . وقد ورد مفاد هذه الآية في عدة آيات أخرى ، قال تعالى :
إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
[ سورة الكهف ، الآية : 30 ] . قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ
. الرأفة أخص من الرحمة من جهتين : من كونها أشد من الرحمة ، ومن أنها لا تكاد تقع في الكراهة بخلاف الرحمة . وهما من أسماء اللّه الحسنى وغالب ما تستعمل الكلمة في الدعوات مع الرحيم . وقد وردت في القرآن الكريم كثيرا إما مقرونة باللام - كما في المقام - واما غير مقرونة به ، كقوله تعالى :
وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
[ سورة البقرة ، الآية : 207 ] وهذه الآية في مقام بيان العلة للحكم السابق أي : لا يضيع ، إيمانكم لأنه رؤوف رحيم . وإنما ذكر سبحانه الرأفة لتعميمها بالنسبة إلى العاصي والمطيع . وقوله تعالى :
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ
. مادة رأى لها استعمالات كثيرة في القرآن الكريم بهيئات مختلفة . وفي مضارعها تحذف الهمزة مطلقا ، كما في المقام . وسعة استعمال الكلمة تعم الدنيا والآخرة بل الرؤيا وحتى الحيوانات . وتستعمل بالنسبة إلى اللّه جل شأنه ، قال تعالى :
وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ
[ سورة التوبة ، الآية : 94 ] . والمعنى الجامع : هو الإدراك بما له من المراتب الكثيرة ، فيشمل علم اللّه تعالى وإدراكات المجردات وإدراكات القوى الحاسة الظاهرية والباطنية ، والوهم ، والخيال ، والتفكير والوجدان ، والعلم والظن كل ذلك بحسب مراتبها . والتقلب التحول من حال إلى حال ، أو التردد المرة بعد المرة ، وسمي القلب قلبا لتحوله وتصرفه من حال إلى حال ، والمراد به في المقام تحويل النبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) وجهه المبارك في السماء من جهة إلى أخرى تطلعا للوحي وانتظارا لأوامر اللّه تعالى .
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 98 | السيد عبد الأعلى السبزواري