تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
والمعنى : إنّ أهل الكتاب بعد التفاتهم إلى كتبهم المنزلة عليهم من التوراة والإنجيل ليعلمون أن كون الكعبة قبلة هو الحق من ربهم أو ليعلمون أنها قبلة إبراهيم ( عليه السلام ) المتفق بينهم أن ملته هي الحنيفية التي أمروا باتباعها . وما ذكره جمع من المفسرين من إرجاع الضمير في قوله جلّ شأنه :
أَنَّهُ الْحَقُّ
إلى دين الإسلام صحيح أيضا ، لأنه من باب بيان الكبرى ، وما ذكرناه بيان لإحدى الصغريات . قوله تعالى :
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
. الغفلة : تستعمل في عدم التحفظ على الشيء والاهتمام به ، ومثل هذا المعنى محال بالنسبة إلى العالم الحكيم المدبر على نحو الحكمة التامة البالغة ، لأن الحضور الفعلي الإحاطي من جميع الجهات مع الغفلة عنه خلف عقلا . ويتصف بها الإنسان وتكون من أرذل صفاته التي تجعله في عرض الحيوان ، قال تعالى :
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ
[ سورة الأعراف ، الآية : 179 ] . ويتصف الزمان والمكان بها ، كما ورد في الأسواق ، وسيأتي عند قوله تعالى :
عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها
[ سورة القصص ، الآية : 15 ] بعض أزمنة الغفلة . والمعنى : أنه لا يعقل الغفلة عن كليات الأمور وجزئياتها بالنسبة إليه تعالى . وفي الآية المباركة تهديد بالنسبة إلى مرتكب السيئات ، ويصح أن يراد بعدم الغفلة عدم الغفلة العملية ، أي : يجزي على الحسنات بالجنّة كما يجزي على السيئات بالنّار . قوله تعالى :
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ
. الآية هي الحجة والبرهان الواضح وهي إنما تنفع لرفع الجهل البسيط ، وأما الجهل المركب فهو داء لا يقبل العلاج لا سيما إذا كان قرين العناد واللجاج خصوصا إذا كان المورد مما يصح نسبته إلى الدين السماوي . وحينئذ يتضح الوجه في هذه الآية الشريفة ، ومضمونها دليل عقلي وجداني لا يختص بعصر التنزيل ، ولا بطائفة خاصة .