تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
وبذلك يظهر الجواب عما يتوهم من أنّ الوسطية لا تختص بأمة خاتم الأنبياء ( صلّى اللّه عليه وآله ) ، بل قد تتحقق في جميع الأمم الماضين ، بل مقتضى قوله تعالى :
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ
[ سورة الواقعة ، الآية : 13 ] أنها فيهم أكثر ، فلا تكون الشهادة منحصرة في أمة محمد ( صلّى اللّه عليه وآله ) أو في بعضهم . فان السير التكاملي يقتضي أن يكون خاتم الأنبياء ( صلّى اللّه عليه وآله ) أشرفهم ، وقد برهن بالبراهين الكثيرة أن مقامه مقام جمع الجمع ، جامع لجميع مقامات الأنبياء مع الزيادة عليها التي لا يحيط بها إلّا اللّه تعالى ، فهو بدء الخلق وغاية التكوين . كما أن شرف ورفعة كل أمة بنبيها فتكون أمته ( صلّى اللّه عليه وآله ) أشرف الأمم ، وشريعته أكمل الشرايع الإلهية وأتمها ، فيصير العاملون بها شهداء الخلق ، للارتباط بين الغاية وذيها تكوينا ، والواسطة في الإفاضة وذويها طبعا ، فلا يبقى مجال بعد ذلك لغيرهم الذين هم دونهم في الدرجة . وفي الحديث أنه قال ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « إن لواء الحمد بيدي وآدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة » . وربما يتوهم أيضا أنه لا فائدة في هذه الشهادة ، لأنّها إما في الدنيا أو في الآخرة ، أو فيهما معا . أما الشهادة في الدنيا فليس لها أثر ؛ وأما في الآخرة فلا فائدة فيها بعد كون اليوم يوم ظهور الحقائق وبروزها يوم تبلى السرائر ، والإشهاد إنما هو لإبراز المخفيات لا ما هو ظاهر للعيان . الجواب إنّه يقال : إنّ الإشهاد فيهما معا ، أما الإشهاد في الدنيا فلأجل بيان أن له العمل . وأما في الآخرة فلابطال ما يعتذر به العبد ، وبذلك تتم الحجة عليه ، فالشهادة متحققة في المعاد حتّى يقع الخلود في الجنّة أو في النار ، فإن كل قضية كثرت أهميتها كان الإحتجاج عليها أشد ولا قضية مطلقا في عالم الوجود أهم من الخلود فإنه من أهم قضايا المبدأ والمعاد ، وأهم ما يتعلق بأصل العبودية والربوبية العظمى فلا بد من إتمام الحجة لتمييز الأخيار من الأشرار ، وأهل الجنّة من أهل النار ، وبذلك تتم الحجة في الدارين لئلا يكون للنّاس على اللّه حجة .