تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
الثالث : الجعل الذي يكون تمام سببه كمال العبد في نفسه بينه وبين اللّه تعالى ، وهذا القسم كثير في القرآن الكريم أيضا ، قال تعالى :
وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا
[ سورة السجدة ، الآية : 24 ] . والجعل في المقام من هذا القسم ، حيث أن أمة محمد ( صلّى اللّه عليه وآله ) هم الوسط في جميع المعارف والكمالات النفسية ، ودينهم هو الحد الفاصل بين الروحانية البحتة والمادية الصرفة ولأجل ذلك صاروا شهداء على النّاس جعلا تفضليا ، ولكنه يستلزم الجعل التشريعي الإلهي في المعارف والأحكام وسائر الكمالات النفسية ، إلّا أن ذلك لا يستلزم كون جميع الأمة شهداء ، وتوجيه الخطاب إلى النوع وإرادة الصنف شايع في المحاورات العرفية لأغراض ومصالح ، والقرآن ورد على هذا الطريق المحاوري المقبول ، كما في قوله تعالى :
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
[ سورة آل عمران ، الآية : 173 ] وغيره مما يكون فيه الظهور الاستعمالي العموم ، والمراد الحقيقي هو الشخصي الخارجي ، كما أن عكسه أيضا صحيح ووارد في القرآن الكريم . قال تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ
[ سورة الطلاق ، الآية : 1 ] وليس ذلك من المجاز في شيء ، كما أثبتناه في الأصول ، بل هو من شؤون البلاغة والفصاحة لإفادة فوائد مختلفة . قوله تعالى :
لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
. إنما جيء بلفظ « على » لبيان الإحاطة والاستيلاء لجميع أعمال المشهود عليهم جليّاتها وخفياتها ، فهو ( صلّى اللّه عليه وآله ) الحجة الإلهية بالنسبة إلى عباده ، لأنه الفرد الأكمل في الكمالات الإنسانية والمعارف الإلهية . وتشمل الآية المباركة جميع أنحاء شهاداته ( صلّى اللّه عليه وآله ) كشهادته بالإبلاغ وإتمام الحجة ، وشهادته لبعضهم بالإطاعة وعلى الآخرين بالمخالفة ، وشهادته على أمته بالاستقامة والانحراف ، فهو الشاهد على جميع أمته في عالم الجمع . وذكر شهادة الرسول عقيب شهادة الأمة من قبيل ذكر العلة بعد ذكر المعلول ، يعني تكونوا شهداء على الناس ، لأن الرسول شهيد عليكم بأنّكم