تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
[ سورة البقرة ، الآية : 3 ] . العاشر : إنّ الإيمان الصحيح هو ما يجلب لصاحبه سعادة الدارين وما أعده اللّه تعالى للمؤمنين من المنازل والدرجات وهي مذكورة في آيات كثيرة . وأجمع آية تشتمل على كثير مما ذكرناه في الإيمان المطلوب هي الآية التي سبق تفسيرها ، فإنها تبين المراد من الإيمان ، وأنّه الداعي لإتيان الأعمال الصالحات ، والباعث لتهذيب النفس وتزيينها بالأخلاق الفاضلة الموجب كل ذلك لكون المتصف بها من الصديقين والمتقين ، فللإيمان كمال ونقص ، والكامل منه ما ذكرناه .

بحث أخلاقي :

الآية الشريفة التي تقدم تفسيرها هي من أجمع الآيات القرآنية لصنوف البر والأخلاق الفاضلة ، وهي بانضمام آيات أخرى من القرآن الكريم تبين مفهوم الأخلاق في الإسلام ، فان له نظرا خاصا فيه يخالف سائر المذاهب الأخلاقية ، ولكنه في ذاته يعتبر امتدادا لسائر الاتجاهات الأخلاقية الصحيحة . وبتعبير آخر : إنّه يكون تركيبا لتراكيب ، فهو يشتمل على روح التوفيق لشتى النزعات في المذاهب الأخلاقية الأخرى ، فهو واقعي ومثالي ، ومحافظ ، وتقدمي ، وتطوري ، وعقلي ، وصوفي ، ومتحرر ، ونظامي ، كما أنه يلبّي جميع المطالب الفردية والاجتماعية ، الشرعية والأخلاقية . ولا يمكن الإلمام بجوانب هذا المفهوم القرآني للأخلاق إلّا بعد معرفة النظريات الأخرى ولو على سبيل الإيجاز ثم الحكم بأفضليته وأكمليته من الجميع . المذاهب الأخلاقية : يختلف العلماء والباحثون في علم الأخلاق النظري في تقسيم المذاهب الأخلاقية المتعددة بين مفصل لها بتعداد سائر الاتجاهات ، وبين مجمل لها بذكر أصولها ، والسبب في ذلك أن طائفة منهم ربطت المذاهب الأخلاقية بالمذاهب الفلسفية في المعرفة الإنسانية من الواقعية والمثالية ،