تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣

بحوث المقام

بحث دلالي :

يستفاد من الآية المباركة أمور : الأول : تقدم أنّ في قوله تعالى :
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ
فيه من روعة الأسلوب وبلاغته ما لا يخفى ، فإنه يخرج الكلام من الفرض والتقدير إلى الوقوع ، فكأن البر هو الإيمان وما ذكرت في الآية من الصفات والأعمال باعتبار تمثلها في الشخص وهذا أبلغ تأثيرا في النفس من اسناد المعنى إلى المعنى ، والغرض من ذلك هو الإشارة إلى تحققها والإحتجاج بمن تلبس بها ، لا مجرد المقابلة بين البر وتولية الوجه ومن لم يكن متلبسا به . الثاني : يستفاد من الآية الشريفة تحقق من عمل بها لكونها في مقام الإحتجاج ولا ريب في أن أكمل فرد وأجلى مصداق من اجتمعت فيه هذه الخصال الأنبياء خصوصا سيدهم رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) ومن يتلو تلوه الذي نزله رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) منزلة نفسه فقال « علي مني بمنزلة هارون من موسى » على ما رواه الفريقان ، مع أنا قد أثبتنا في محله انه لا يمكن ان تخلو الأرض من حجة للّه قائمة . الثالث : أنّ الشرط في قوله تعالى :
وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا
إشارة إلى شمول العهد للعهود المتقومة بالاثنين أو العهد القائم بشخص واحد . وفيه من التعريض إلى من يخالف العهد وخروجه عن مقتضى الفطرة ما لا يخفى . الرابع : أنّ النفي والإثبات دليل الحصر كما هو الثابت في العلوم الأدبية ، والآية الكريمة تنفي البر مطلقا بنفي أبرز جهاته وأظهر آثاره وهو تولّي الوجه قبل المشرق والمغرب وتثبته في المذكورات فلا بر مطلقا إلّا في ما تضمنته وهي كمالات فردية ، واجتماعية ، دنيوية ، وأخروية وهي الصراط المستقيم الذي أمرنا باتباعه وغيرها من السبل التي أمرنا بالابتعاد عنها . الخامس : إنّما قدم سبحانه وتعالى الإيمان باللّه لأنه رأس كل