تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
الواجب ينافي القدرة ، لأن المضطر لا يقدر على الترك في الأول كما لا يقدر على الفعل في الثاني . والمناط في القدرة : القدرة العرفية التي يعتمد عليها النّاس في أمور معاشهم وجميع أغراضهم نعم قد يتبدل الحكم في صورة الاضطرار إلى حكم آخر ولكنه يحتاج إلى دليل بالخصوص . والاضطرار الحاصل للإنسان المبيح لتناول المحرّم على قسمين : الأول : ما لا ينتهي إلى اختياره ، الثاني : ما ينتهي إلى اختياره ، ولا ريب في أنه لا تكليف ولا عقاب في الأول . وأما الثاني فلا ريب في أنّ العقل يحكم باختيار أقل القبيحين ، لأن الأمر يدور بين إهلاك النفس وأكل الميتة مثلا ، ولا إشكال في كون إهلاك النفس القبح من أكل الميتة ، وأما الخطاب فهو باق على ملاكه ، لبقاء العقاب لفرض الانتهاء إلى الاختيار ، فمن ذهب إلى سفك دم معصوم أو هتك عرض محترم أو غصب مال كذلك فاضطر حينئذ إلى أكل الحرام يعاقب على الأكل ، فيكون حكم القرآن الكريم موافقا للعقل السليم . ومن ذلك يعلم أنّ الاضطرار المبيح لأكل المحرمات - كالميتة والدم ونحوهما - محدود في الشريعة المقدسة بحد خوف التلف على النفس في ترك الأكل ، ثم الأكل بقدر سد الرمق من دون تعد عنه . وفي المقام فروع كثيرة أخرى تعرضنا لها في كتب الفقه .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 174 إلى 176 ]

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 174 ) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ( 175 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 176 ) هذه الآيات مرتبطة بالآيات السابقة التي وردت في ذم قوم تركوا سبيل الحق واتبعوا خطوات الشيطان لأن تبديل الحق بالباطل من أعظم خطواته ولذا