تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
وقال تعالى :
وَاشْكُرُوا لِلَّهِ
[ سورة البقرة ، الآية : 172 ] إلى غير ذلك من الآيات المباركة . وأخرى : إلى نعمه قال تعالى :
وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ
[ سورة النحل ، الآية : 114 ] . وهو يرجع إلى الأول ، لأن كل ما بالعرض لا بد ان ينتهي إلى ما بالذات . وثالثة : إلى نفس الشاكر ، قال تعالى :
وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ
[ سورة لقمان ، الآية : 12 ] فان غاية الشكر إنما يرجع إلى نفس الشاكر ، كقوله تعالى :
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ
[ سورة الأسراء ، الآية : 7 ] ، ولا فرق في هذا القسم بين أن يكون الشكر على الآراء والمعتقدات الحسنة والمعارف الحقة ، أو على النعم الخارجية ، وجميع ذلك مذكور في القرآن الكريم ، قال تعالى :
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[ سورة المائدة ، الآية : 89 ] ، وقال تعالى :
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[ سورة النحل ، الآية : 78 ] وقال تعالى :
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[ سورة الأنفال ، الآية : 26 ] وهو مطابق للقواعد العقلية لأن أساس معرفة اللّه تعالى مبني على وجوب شكر المنعم عقلا - وهذا الوجوب عقلي لا أن يكون شرعيا - ومعرفة اللّه تعالى من أرفع المقامات والكمالات الإنسانية التي وصل الإنسان إليها بحكم عقله . الثاني : أن يكون من الخالق للمخلوق ، قال تعالى :
وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً
[ سورة النساء ، الآية : 147 ] ، وقال تعالى :
وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً
[ سورة الإنسان ، الآية : 22 ] بل الشكور من أسمائه الحسنى ، فإن من عادة العظماء التشكر مما يستحسنونه من أعمال الرعايا ، وله دخل كبير في سوق العباد إلى العمل وجلب قلوبهم . الثالث : أن يكون من الخلق لآخر مثله وهو من مكارم الأخلاق ، وقد ورد في الحديث : « من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق » لانتهاء المخلوق ونعمه إلى الخالق فالشكر له ينتهي بالآخرة إلى شكر نعمائه ، وترك شكر المخلوق ينتهي إلى ترك شكر الخالق في سلسلة الأسباب . ثم إنّ الشكر تارة : يكون للّه تعالى لذاته بذاته بلا لحاظ عناية أخرى ، لأنه مبدأ الكل ومنتهاه فيستحق الشكر وهو شكر أخص الخواص ،