تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
ولعل أحد وجوه تأكيد القرآن واهتمامه بكون بيت الحرام قبلة انها أول قبلة شرعت في الأديان السماوية بها تحفظ الوحدة بين أفراد هذا الدين . وانها كانت سببا في هدايتهم ، وإعلاما بأنهم على الصراط المستقيم وتدعيما لهم ، وقد تكفل سبحانه وتعالى الجواب عن احتجاج المعترضين ، كما وصم سبحانه المخالفين بخفة العقول واتباع الأهواء الباطلة والظلم وأوعدهم بسوء العقبى إن هم أصروا على الجحود والإنكار . ولأجل ذلك كله كان هذا التشريع الجديد من موجبات إتمام النعمة على المؤمنين .

تحويل القبلة :

كان الرسول ( صلّى اللّه عليه وآله ) وأصحابه يستقبلون بيت المقدس أول بعثته في مكة حتّى بعد هجرته إلى المدينة إلى نزول الوحي بتحويل القبلة ولقد كان ( صلّى اللّه عليه وآله ) يرغب في ذلك ويترقبه بشغف شديد ، كما حكى عنه عزّ وجل :
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها
. ويمكن أن يستفاد من إطلاق قوله تعالى :
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ
أنّ القبلة الحقيقية كانت هي البيت الحرام ، فإنّ كون البيت مثابة يقتضي ان يكون مثابة أيضا لهم في أهم الجهات العبادية وهو الاستقبال والتوجه اليه في العبادة . ويؤكد ذلك جملة من الأحاديث الواردة في أنّ الكعبة كانت قبلة الأنبياء السابقين ( عليهم السلام ) وأنّها كانت موضع تقدير العرب وحبهم لها وتوجههم إليها ، فهي من هذه الجهة اقدم القبلتين وأشرفهما وتربو فضيلتها على بيت المقدس من جهتين : ذاتية - لأنها أشرف بقاع الأرض مطلقا ، كما تدل عليه الأخبار الكثيرة ، وانها مقابل بيت المعمور - وعرضية ، لأنها موضع عبادة المتعبدين من بدء تكوينها ، فما زالت مطاف الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين والأولياء والصديقين وعباد اللّه الصالحين . ولا يستفاد من آيات تشريع القبلة ما يخالف ذلك إلّا ما قد يتوهم في قوله تعالى :
ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها
[ سورة البقرة ، الآية :