تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
المناسب إثبات أنّ العباديات جميعها - من الطواف حول الكعبة والسعي في المسعى ، والقيام بين يدي المولى ، والركوع ، والسجود والقنوت ، وغسل الوجه واليدين ، وما يفعل بالرأس والرجلين - من طرق توجه القلب إلى اللّه تعالى وعدم غفلته عنه والخضوع والخشوع لديه كل عضو بحسبه ، وهذا هو معنى الروح في العبادة ، والبقية بمنزلة اللفظ أو الجسد ، ولا فائدة في لفظ بدون المعنى وجسد بلا روح فيه . وبعبارة أخرى : إنّ فعل الجوارح مع غفلة الروح والقلب مما يستنكره العقل والعقلاء فكيف يرضى به إله السماء .

الحكمة في تشريع القبلة :

ذكرنا أنّ القبلة الجديدة كانت حدثا نوعيا واجتماعيا الذي به تحفظ الوحدة بين المسلمين بعد أن كانوا متفقين في العبادة والمعبود ، وبها تميز المسلمون عن غيرهم واحتفظوا استقلاليتهم بعد ان كانوا تابعين . والظاهر أنّ هذا التشريع النوعي الأبدي هو أول تشريع من نوعه في تاريخ الأديان الإلهية ، فلم تكن قبلة بهذه الخصوصية في الأديان السابقة . نعم كان لأهل الكتاب قبلة معينة ولكنها كانت محدودة وموقّتة ، فقد ورد في شأن موسى وأخيه أن أوحى اللّه تعالى إليهما أن يجعلا بيوتهما قبلة لقومهما ، قال تعالى :
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
[ سورة يونس ، الآية : 87 ] ولكنه كان محدودا بحدود خاصة زمانية ومكانية . ويظهر من بعض الآثار أنّ قبلة اليهود كانت هي التابوت وكانوا يستقبلونه إذا كان معهم في أسفارهم ثم يضعونه عند صخرة بيت المقدس ويصلون إليه ثم عظم مكانه فصار قبلتهم . وأما قبلة النصارى فكانت شرقي بيت المقدس باعتبار كونه مولد عيسى ( عليه السلام ) ومدفنه عندهم ، ولم يثبت بدليل يصح الاعتماد عليه أنّ قبلة الطائفتين كانت بوحي سماوي أو هي كسائر مقترحاتهم التي اقترحوها من عند أنفسهم .