تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
إذا علم بالنظر والتامّل في طعامه انّ البعث حقّ ولا بد من مجيئه فإذا جاءت الصاخّة اى القيمة ، وانّما سمّيت صاخّة لانّ الصخ بمعنى الصكّ وهو شدّة القرع للاذان بحيث يكاد ان تصمّ والبعث انّما يقع بالصيحة الشديدة القارعة للاذان بحيث يكاد ان تصم من شدتها ولذا عرّف سبحانه هذا الوقت بقوله :
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ
يعنى من شدة الاضطراب الحاصل بسبب وقوع الصيحة الشديدة يفرّ المرء من جميع أقربائه واخلائه الّتى كان في الدنيا يفنى عمره وجدّه وماله في سبيلهم . وقوله تعالى
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
في موضع التعليل لفرار الكل من أقربائه واخلائه ، والشأن معناه الحال ، ومفاد الآية انّ لكل امرء منهم يوم الصاخة حال يغنيه عن التوجّه إلى غيره من الأقرباء والاخلاء ، إذ من الواضح انّ الانسان في حال شدة الاضطراب يغفل من نفسه ، ولا يدرى ما يفعل فضلا عن غيره من أقربائه واخلائه كما يظهر من رواية سودة زوجة النبي صلّى اللّه عليه وآله قالت قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يبعث الناس عراتا حفاتا عزلا يلجمهم العرق ويبلغ شحمة الاذان قلت يا رسول اللّه واسوئتاه ينظر بعضنا إلى بعض قال صلّى اللّه عليه وآله شغل الناس عن ذلك ثم قرء لكل امرء منهم يومئذ شأن يغنيه . ومن هنا يظهر انّ اختلاف المفسرين في سبب الفرار من الأقرباء وانّه علم الانسان بعدم انتفاعه منهم أو احترازه عن مطالبة التبعات أو كفر أقربائه في غير محلّه لانّ لالتفات إلى هذه الأمور وملاحظتها انّما يمكن مع فراغ البال وحال الاختيار وامّا عند شدة الاضطراب والاضطرار فغير ممكن أصلا كما هو واضح وإذا كان المرء مع كمال عقله وقوة قلبه كذا فالمرئة لنقص عقلها وضعف قلبها تكون كذلك بطريق أولى ، ولذا اكتفى بذكر المرء فقط مع عموم الحكم لجميع افراد الانسان ذكورا وإناثا كما انّ الظاهر من اطلاق المرء ومفاد لفظ الكل مع ارجاع ضمير منهم إلى نوع الانسان الشامل لجميع الافراد انّ الصخّ والفرار شامل لجميع افراد الانسان من الأخيار والأشرار وان اختلف وجوههم بالاسفرار