ولا يخفى أنّ الإيمان الّذي هو عين الأعمال القلبيّة والبدنيّة ، عمل اختياريّ للإنسان العاقل المكلّف . وتأييده تعالى الإنسان بروح منه تعالى - على الوجه الّذي ذكرناه - لا ينافي كون الإيمان عملا اختياريّا للمكلّف . ضرورة أنّ الإنسان المؤمن ، كما أنّه مؤيّد ومسدّد بروح منه تعالى ، كذلك مؤيّد ومستطيع بالاستطاعة ومالكيّة الفعل والترك . وكذلك الكلام في قوله تعالى :
« وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ » .
فالإنسان المؤمن في عين كونه مؤيّدا بروح الإيمان ، لا يترك الكفر والفسوق إلّا عن اختياره ، ولا يأتي بشيء من أجزاء الإيمان إلّا عن اختياره .
الآيتان الثّانية عشرة والثالثة عشرة :
قال تعالى :
« وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ . بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ » .
( الشّعراء / 192 - 195 )
وقال تعالى :
« قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ » .
( النحل / 102 )
بيان :
الظّاهر أنّ المراد بالرّوح في الآيتين هو جبرائيل الأمين على وحيه تعالى . قال - تعالى شأنه - :
« قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ » .
( البقرة / 97 )
« إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ . ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ . مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ » .
( التكوير / 19 - 21 )
أقول : لا يخفى بحسب الآيات الكريمة والروايات المباركة ، أنّ القرآن كلامه تعالى ومن جنس ما يقرأ ويتلى . وكلامه تعالى وقوله - سبحانه - فعله . قال تعالى :
« وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ » .
( الشورى / 51 )