من متفضّل ما أشكره وأوفاه !
قوله تعالى :
« أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ( 35 ) ما لَكُمْ . . . » .
بحث وتحليل : قد أقام تعالى شواهد بيّنة وأدلّة قاطعة ضروريّة على كلّ من زعم ضعف هذه السنّة المقدّسة الالهيّة ؛ من اختصاص التكريم والتشريف لأوليائه دون أعدائه . فهل هذه قضيّة شخصيّة خارجيّة قد كانت المجادلات والمناقشات جارية في زمن نزول الآية ، كي يكون هذه الأحكام ردّا ودفعا لهذه الأقاويل الباطلة في المقام ؟ أو هي قضيّة حقيقيّة يحكم تعالى فيها على بطلان قول كلّ من يمكن أن يتوهّم الخدشة في هذه السنّة المباركة الإلهيّة ، ويقرع بها كلّ مخالف في زمن نزول الآية إلى يوم القيامة ؟
الظّاهر هو الثاني ؛ سيّما مع عدم دليل مستند على وجود تلك المجادلات والمناقشات عند نزول هذه الآيات الكريمة . ولا يخفى أنّ وجود مناقشة من أعداء الرسول - صلّى اللّه عليه وآله - في زمن الحضور ، لا ينافي ما اخترناه من كون القضيّة حقيقيّة .
قوله تعالى :
« أَ فَنَجْعَلُ . . . » .
بيان : الاستفهام إنكاريّ . فيستحيل منه تعالى أن يسوّي بين المتّقين والمجرمين . ضرورة أنّ هذا الحكم مؤسّس على كونه تعالى شكورا لحسنات المحسنين ، ووفيّا لمن وفا بعهد اللّه وأتعب نفسه في مرضاته . والجواب منفيّ .
فإنّه - سبحانه - لا يضيع لديه أجر المحسنين ، ولا يضيع إيمان المؤمنين . ونظير الآية قوله تعالى :
« أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ » .
( ص / 28 )
قال مولانا أمير المؤمنين - صلوات اللّه عليه - في عهده إلى المالك النخعي :
« ولا يكوننّ المحسن والمسئ عندك بمنزلة سواء فإنّ في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان في الإحسان وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة . وألزم كّلا منهم ما ألزم نفسه . » ( نهج البلاغة / 430 )