قوله تعالى :
« إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ
( 34 ) » .
بيان : ذكّر تعالى في الآيات المتقدّمة بما جرت به سنّته القيّمة الفاضلة ؛ من امتحان عباده واختبارهم لتربيتهم وتزكيتهم ، بتوفير أموالهم وبنيهم ؛ وبعبارة أخرى : عدّتهم وعدّتهم . ضرورة أنّ توفير المال والجاه امتحان بهما ، وأمر حسن للتّوسعة على نفسه وعيالاته بأمواله ، وإعانة المضطرّين ورفع حوائج المفتقرين ، وغيرها من الفوائد والمصالح ، فيجازيهم تعالى جزاءا حسنا على حسناتهم .
ومن عصى وانحرف عن صراط العبوديّة - كما حكاه في قصّة أصحاب الجنّة - فصارت نعمة اللّه تعالى عليهم نقمة ، وحلّ بساحتهم سطواته تعالى وقرعهم بقارعة من قوارعه ، فصاروا على خسران وحرمان .
وقوله تعالى :
« إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ »
يقابل ما تقدّم من الحلّاف والهمّاز وغيرهما من الأشرار والفجّار وكذلك أصحاب الجنة .
وبقوله تعالى هذا ، فقد شكر اللّه تعالى سعيهم ، وتقبّل عنهم طاعاتهم وقرباتهم ، ووعدهم أنّ لهم عند ربّهم جنّات النعيم .
وبديهيّ أنّ ثوابه تعالى على عباده المتّقين والمحسنين ، فضل ابتدائيّ منه - سبحانه - من دون استيجاب واستحقاق عليه تعالى ، كي يطالب بأثمان طاعاتهم وحسناتهم ويؤاخذ - سبحانه - بأجورها . فإنّ أمره تعالى بالعبادات والطّاعات ، إنّما هو لانتفاعهم بها ، لا لانتفاعه - سبحانه - بها . فإنّه غنيّ عن جميع ما سواه ، فضلا عن حسناتهم وطاعاتهم .
وكان خلقه تعالى عباده ، فضلا ابتدائيّا منه - سبحانه . وأمره تعالى بالعبادات والطاعات وتوفيقهم وتسديدهم على الإيمان به تعالى وعلى الحسنات والطّاعات ، فضل آخر . وكذلك إعطاء الثواب على إيمانهم وحسناتهم ، كرامة على كراماته السّابقة . فسبحانه من إله ما أفضله ! وسبحانه