فجزاف من القول . فإنّ اللّه لا يغفر ولا يعذّب إلّا بمشيئة وإرادة ورأي حادث عن حكمة وصواب .
فإن قيل : فما المانع أن يغفر للناس جميعا .
قلت : قال في مجمع البيان 2 / 502 : رحمته لا تغلب حكمته إذ لا تكون رحمته برقّة القلب كما تكون الرحمة منّا .
قوله تعالى :
« وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ » .
( 129 )
تمجيد للّه سبحانه بمغفرته ورحمته ، وفي مرحلة التعليل بقوله :
« يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ » .
[ معنى سبق رحمة اللّه تعالى غضبه ]
قال في الميزان 4 / 7 : فلأنّ اللّه هو المالك لكلّ شيء فيغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء ، ومع ذلك فإنّ مغفرته ورحمته تسبقان عذابه وغضبه فهو الغفور الرحيم .
أقول : سبقت رحمته تعالى غضبه قد تكرّر في ألسنة كثير من أهل العرفان والفلسفة . ومرادهم من هذا حكومة الرحمة على الغضب ، بمعنى أنّ الرحمة تدوم ولا تزول بخلاف الغضب فإنّه يزول ولا يبقى . وسرّه أنّ دوام الغضب والعذاب يوجب تعطيل الحركة الذاتيّة ووقوفها نحو الكمال والقسر لا يدوم . وحيث إنّ العذاب والغضب طارئان على أصل الرحمة فلا بدّ أن يزولا ويتخلّص من الشقاء عاجلا أم آجلا .
قال صدر الدين الشيرازي في تفسيره 4 / 313 : اعلم أنّ في تعذيب اللّه بعض عباده عذابا أبديّا إشكالا عظيما ، خصوصا عند القائلين بالتحسين والتقبيح العقليّين . فإنّ اللّه خالق العباد وموجدهم ، ومبدئهم ومعيدهم ، وشأن العلّة الفاعلة الإفاضة والإيجاد على معلوله ، إذ ليس المعلول إلّا رشحة من رشحات جوده ، ولمعة من لمعات وجوده ، والتعذيب الأبديّ ينافي الإيجاد والعليّة .
وأيضا فإنّ ذاته محض الرحمة والخير والنّور ، وكلّ ما يصدر عنه يجب أن يكون من باب الجود واللّطف والكرم ، ووجود العاهات والشرور إنّما يكون عنه بالعرض ، وعلى سبيل الشذوذ والندرة ؛ ولأنّه سبقت رحمته غضبه فإنّ الرحمة