السببيّة والمسببيّة ، والمراد من المشركين في هذه الآية هم المنافقون ، والنصّاب الّذين أظهروا الإسلام بألسنتهم ، وأبطنوا الكفر والنفاق في قلوبهم ، ولا كلام في عدم كونهم من المشفوعين ، وإنّما الكلام في مرتكبي الكبائر ، ودلالة الآية على نفي الشفاعة من المانعين للزكاة من المسلمين المؤمنين .
وبالجملة لا كلام في أنّ الظلم على الناس بمنع حقوقهم ولا سيمّا الزكاة من الكبائر ، وأنّ من شرائط التوبة ردّ المظالم إلى أهلها ، إلّا أن استفادة ذلك من إطلاق الآية الّذي في معرض التخصيص بتمام الكتاب والسنّة بهذه الوجوه ، والغمض عن مخصصاتها ومقيّداتها في أبواب الشفاعة والتوبة على تفاصيلها لا يرجع إلى محصول .
فالآية الشريفة لا تدلّ إلّا على أنّ الّذين يبخلون ويمنعون حقوق الفقراء من الظالمين . والظالمون ليس لهم وليّ ولا نصير . والأخذ بهذا الإطلاق يحتاج إلى الفحص من الآيات والروايات الواردة في هذا الباب .
قوله تعالى :
« إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ » .
أقول : الظاهر أنّ الضمير في قوله تعالى :
« فَنِعِمَّا هِيَ »
يرجع إلى نفس الصّدقات ، فالمعنى : نعم شيئا هي الصّدقات المعلنة ، فالآية لا تدلّ إلّا على مدح الصّدقات المعلنة فلا تستفاد منها أفضليّة إبداء الصدقات على إخفائها ، ولكن قوله تعالى :
« وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ »
يدلّ على أنّ إخفاء الصّدقات خير وأفضل . والظاهر أنّ المفضّل عليه هو إبداؤها وإعلانها ، فيكون المعنى : إنّ الصدقة عمل حسن مرضي عند اللّه - تعالى - وإن كان إعلانا وإبداء ولكنّ إخفاء الصدقة وإعطاءها لمستحقّيها أفضل من إظهارها .
ثمّ إنّه قد تقرّر في محلّه أنّ عمومات الكتاب والسنّة في معرض التخصيص بالكتاب والسنن المعتبرة عن أهل البيت عليهم السلام ، فلا يجوز الأخذ بتلك العمومات قبل الفحص عن مخصّصاتها وشرائطها وقيودها . وقد ورد في السنن المرويّة عن أهل البيت عليهم السلام تفسير موارد الإخفاء بالصّدقات المندوبة ، وموارد الإعلان والإبداء بالصدقات الواجبة .