لحوق الشفاعة وعدمه ، بل الآية ساكتة عن هذا الحيث بالكلّيّة . ولو حمد على ظاهر قوله :
« إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً »
فنقول : هو تمجيد للّه - سبحانه - بالغفران والرحمة ، وليس فيه دلالة على الشفاعة وشرائطها .
وأمّا قوله تعالى :
« إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ . . . »
فإنّه يدلّ على الصفح عن الصغائر بالاجتناب عن الكبائر ، وهو بالنسبة إلى أهل الكبائر من حيث نيلهم شفاعة الشافعين ساكت بالكلّيّة نفيا وإثباتا .
وأمّا قوله تعالى :
« وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى »
فالظاهر أنّ قوله :
« لِمَنِ ارْتَضى »
مفعول أي يشفعون لمن ارتضى اللّه دينه وهو الإسلام ، الّذي ارتضاه لأحبائه وأنبيائه دينا . وهذا بإطلاقه يشمل المانعين عن الزكاة أيضا إلّا أنّ هذا الإطلاق في معرض التقييد .
وأمّا قوله تعالى :
« إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ * ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ * فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ » .
[ المدّثّر ( 74 ) / 39 - 48 ] ، فهو نصّ في الكفّار والمكذّبين بيوم الدين ، والمستهزئين بأنبياء اللّه - تعالى - وآياته ، لا لأجل عدم إطعامهم المساكين وعدم إقامتهم الصلاة . والظاهر أنّ الآية الكريمة قريبة المفاد من قوله تعالى :
« أَ رَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ » .
[ الماعون ( 107 ) / 1 - 3 ]
وأمّا قوله تعالى :
« وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ »
[ فصلت 41 / 6 ، 7 ] لا دلالة فيه على أنّ الشرك والكفر إنّما هما لأجل استحلالهم ترك الزكاة ، ضرورة أنّ قوله تعالى :
« لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ »
وصف للمشركين ، وقوله تعالى :
« وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ » *
وصف ثان لهم ، ولا خفاء أنّ نسبة الوصف إلى الموصوف بمنزلة المحمول إلى الموضوع ، والوصف والمحمول ليسا ضامنين لإيجاد الموضوع والموصوف ولا لإبقائهما ، فكما لا يكون عدم إيتاء الزكاة سببا لوجود الشرك ، كذلك لا يكون سببا لوجود الكفر أيضا ، ضرورة أنّ منع الزكاة والكفر بالآخرة وصفان للمشركين في عرض سواء ، وليست بينهما نسبة