ومكاشفات الصوفيّة فإنّها مثار التبدّل والتناقض بين علمائهم ، وبالنسبة إلى شخص واحد أيضا ، كما هو واضح لمن كان له أدنى تأمّل في مقالاتهم . نعم الحجّية الّتي للعلم الحصولي هو وجوب الجري على طبقه أصاب أو أخطأ ، لا كاشفيته للواقع .
قوله تعالى :
« فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً » .
[ الخير والشرّ ]
الخير والشرّ كلاهما أمران وجوديّان متقابلان . والخير ما يناسب فضله - تعالى - وإحسانه مثل الغنى والعافية ، والثروة والعزّة ، والعلم والكرامة ، وفي الآخرة مثل العفو والغفران ، والجنّة والبهجة والرضوان ، والشرّ ما يناسب عدله - تعالى - وأخذه وانتقامه كالفقر والمرض ، والذلّة وسلب النور والعلم ، والإهانة لأعدائه وأخذهم وطردهم ، والانتقام منهم بتسليط أوليائه عليهم ، وفي الآخرة مثل النار .
وتوصيف الخير بالكثير واضح ، فإنّ الخيرات وإن عظمت وكثرت لاصفاء لها مع الجهل والضلالة ، وكلّ نعمة وبهجة متوقفة على الحكمة والهدى فهي أبهى نعمة وأجلّ كرامة .
قوله تعالى :
« وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ » .
( 269 )
الذكر مقابل النسيان والغفلة ، والتذكّر هو وجدان الشيء المنسيّ والمغفول عنه ، والعلم به بعد ما كان منسيا ومغفولا . وقد ذمّ اللّه في هذا القرآن أقواما لا يتذكّرون ولا يعقلون ، وعاتبهم عتابا شديدا ؛ لإعراضهم عن التذكرة والذكرى الّتي أساس القرآن عليها ، وعلى الاحتجاج والاستدلال بالأمور والحقائق الّتي يتوجّه المستمع بالتذكرة والإرشاد إليها ، فقد أثبت اللّه - تعالى بهذا البرهان النيّر لجاجهم وعنادهم . قال تعالى :
« أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ » .
[ يونس ( 10 ) / 35 ]
و
« إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » .
النحل ( 16 ) / 90 و
« مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً