وأوفوا به ولا تكفروا به وأنا معكم من الشاهدين .
قوله تعالى :
« فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ » .
( 82 )
هذه قرينة قطعيّة لما استظهرنا من أنّ العهد من النبيّين على أممهم للنبيّ اللّاحق . فمن تولّى بعد ما عاهد وشهد على نفسه ، وشهد اللّه عليه فهو من الفاسقين .
فإنّ هذا التوبيخ الشديد لا يناسب مقام الرسل المعصومين المتطهّرين .
والروايات الواردة في تفسير الآية لا تعارض ولا تدافع بينها . وما ورد في كثير منها من إيمان الأنبياء عليهم السلام لعليّ صلوات اللّه عليه في الرجعة ، إنّما هو من باب التأويل والباطني وليس من باب التفسير ؛ وكلّ من التفسير والتأويل حقّ في مورده ، وليسا واردين على مورد واحد كما لا يخفى .
فصفوة القول في المقام أنّ الميثاق المضاف إلى النبيّين من باب إضافة المصدر إلى فاعله . وهذا الميثاق في ظاهر القرآن هي دعوة الأنبياء ، فإنّهم صلوات اللّه عليهم قد بلّغوا رسالات ربّهم في أمّهات الشرائع وأصول الأديان ، وأحكموا عقد الطاعة للّه - عزّ وجلّ - بأن يعبدوا اللّه ولا يشركوا به شيئا إلى آخر أبواب الطاعة .
وقد تمّت الحجّة ببلاغهم . فإطلاق العهد على هذه الأحكام إطلاق شائع . قال تعالى :
« أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ » .
[ يس ( 36 ) / 60 ]
فالموقف الجليل لهذا العهد ، والمقام المنير لهذا الميثاق هو موقف الإيمان والتسليم والانقياد بعد تمام البلاغ بالوجوب الضروريّ العقليّ ؛ ومن جملة هذه المواثيق هو القيام بنصرة أوليائه ، وكلّ نبيّ ووصيّ أتى بحكمة وشريعة ، أو قام بوظيفة وإصلاح طريقة ، فقد أقررنا بذلك عند إسلامنا للّه - سبحانه - ونجدّد هذا العهد بين يدي ربّنا في كلّ صباح ومساء ، فمن نكث ونقض طاعة اللّه ، وأبطأ عن نصرة أوليائه والإيمان بهم ، فهو من الفاسقين الخارجين عن حريم التوحيد والإسلام للّه .
ولا ينافي هذا العهد في تفسير القرآن ومحكماته وظواهره عهدا سابقا بين اللّه