تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
اللّاحق يصدّق السابق ويعظّمه ويقدّسه ، ويؤمن به وبما جاء به ، عدا بعض ما كان منسوخا ، تحفّظا لوحدة الكلمة ووحدة الغرض . وبلّغوا ذلك أممهم ، وشرطوا عليهم الوفاء ، والقيام والعمل بما بلّغوا وأخذوا منهم العهود المؤكّدة ، والمواثيق الغليظة منهم بأمر اللّه سبحانه . وعرّفوا أممهم أنّه إذا جاءكم بعدي رسول بكتاب وحكمة ، وقامت البراهين والحجج عندكم للنبيّ الموعود ، وأنّ كتابه وحكمه موافق لمن تقدّم من الرسل ، وكان مصدّقا لجميعهم في علومهم فيما جاؤوا به من عند اللّه ، فيجب عليكم الإيمان به ، ونصرته ، فمن تولّى منهم بعد قيام الحجّة وأنكر العهد المأخوذ منهم والميثاق السابق فقد عصى النبيّ السابق وكفر باللّاحق وهو من الفاسقين . لقد أخذ اللّه ميثاق النبيّين على أممهم بواسطة النبيّين للنبيّ اللّاحق ، فإنّ إطلاق الخطاب وسوقه إلى الأمم - مع أنّ المواجه بالخطاب هو نفس النبيّ - إطلاق شائع . قال تعالى :
« أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ » .
[ يس ( 36 ) / 60 ] و
« يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً » .
[ النساء ( 4 ) / 174 ] وقوله :
« لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ » .
أي جاءكم كتاب وحكمة بإرسال الرسل وبعث الأنبياء . وقوله :
« ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ » .
أي تحقّق عندكم توافقهما وتصادقهما ، فلا بدّ من الإيمان به والنصرة له . والشاهد لما ذكرناه في تفسير الآية هو أنّ مجيء الرسول لجماعة النبيّين فرض باطل ، فيكون القوم الّذين جاءهم الرسول هي أمّة النبيّ السابق المتدينة بكتابه وشريعته . فاللّه - تعالى - يقول لهم بإبلاغ النبيّين :
« أَ أَقْرَرْتُمْ . . . »
فقالوا في جواب نبيّهم :
« أَقْرَرْنا » .
فقال اللّه لهم : فأشهدوا على أنفسكم هذا العهد المأخوذ ، وتذكّروه