لانغمارهم في الشهوات واستغراقهم في المعاصي قد تراضوا بينهم أن يخضعوا ويتذلّلوا لأحبارهم ورهبانهم في معصية اللّه ، وانقادوا لعدّة من المتشبّهين بالعلماء من الأراذل والأغبياء ، فأعطوا حقّ الربّ المولى الكريم لهم مجّانا .
فتبيّن أنّ الآية الكريمة تذكرة وإرشاد إلى تحريم التذلّل والتواضع في مقابل المتجاوزين للتشريع ، والهاتكين لمقام الربوبيّة ، وليس مسوقا للنهي عن بدع الجاهلين الغافلين ، الّذين استذلّوا واستعبدوا الأحرار فاتّخذوا عباد اللّه خولا ومال اللّه دولا .
فالكلمة العادلة السويّة هي أن لا يلحدوا في ذات اللّه ، وأن لا يعبدوا غيره ، وأن لا يشركوا به شيئا ، وأن لا يمكّنوا الأراذل من أنفسهم ولا يحملوهم على رقابهم . فيعملوا فيهم ما شاؤوا ويحكموا فيهم بما أرادوا ؛ في نفوسهم وأعراضهم وأموالهم . فهذه الكلمة المباركة الطيّبة في عين أنّها حقّ طلق للّه سبحانه ، وثابت له تعالى ثبوتا ضروريّا ذاتيّا . وهي تعطي المجتمع حياة سعيدة هنيئة ، ويعيش فيها الناس في ظلال الأمن والسعادة .
قوله تعالى :
« فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ » .
( 64 )
أي إن تولّوا عن هذه الدّعوة المباركة ، وتراضوا بخسارة أنفسهم وبذلّة الاستعباد والاستعمار كفى بهم حمقا وضلالا :
« فَقُولُوا »
أنتم يا معشر المسلمين الّذين خرجوا من ذلّ عبادة الناس إلى عزّ عبادة اللّه :
« اشْهَدُوا »
يا أهل الكتاب
« بِأَنَّا مُسْلِمُونَ »
للّه الحقّ جلّ سلطانه ، ولا نتّخذ إلها سواه ، ولا نشرك به شيئا في ألهيّته وعبادته ، ولا نطيع أحدا في معصية اللّه .
والظاهر أنّ العناية في قوله تعالى :
« اشْهَدُوا »
أنّه قد طلعت شمس الهدى ، وانبسطت أنوارها في أقطار الأرض ، وأخرجت الأمم من ظلم الجهالات والخرافات ، وهذا بمنظركم وأنتم ترون ، وقد أقيمت عليكم الحجج والبراهين النيّرة ، واستضاء عندكم البلاغ وأنتم في سكرتكم تائهون وفي غفلاتكم تعمهون .
ويقرب من سياق هذه الآية ما في روضة الكافي / 386 ، عن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته في ذي قار ، قال عليه السلام :