فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ . . . » .
[ البقرة ( 2 ) / 213 ]
و
« وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ » .
[ الجاثية ( 45 ) / 17 ]
فما ضلّوا وما أضلّوا إلّا عن حجّة ، وما اختلفوا وما هلكوا إلّا عن بيّنة ، فرفض الهوى واتّقاء كتمان الحقّ ومخالفته ، واجتناب الاختلاف فيه ، فريضة عقليّة بالضرورة .
فالدّعوة إلى هذه الكلمة المباركة والاجتماع عليها ، والقيام والوفاء بها ، والدفاع عنها ليست دعوة خطابيّة وإقناعيّة ، ولا أمرا نظريّا يحتاج إلى الإثبات ، بل إرشادا وتذكرة إلى ما هو الواجب بالضرورة ، وإرشادا إلى أنّ الاختلاف فيها وتعميتها جناية وقحة تجب التوبة عنها والاعتذار إلى اللّه - تعالى - وإلى دعاته وحججه .
والعبادة بمعنى الطاعة والخضوع والتذلّل . يقال : أرض معبّدة أي مذلّلة .
والظاهر أنّ سياق قوله تعالى :
« أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ »
ليس لحصر العبادة للّه الحقّ ، ونفيه عمّا سواه ، وإثباته له على طريق الاستثناء ، بل المراد نفي معبود سواه .
توضيح ذلك أنّ ( إلّا ) في كلمة الإخلاص ليست بمعنى الاستثناء كي يكون إثباتا بعد النفي ، فإنّ ثبوته - سبحانه - مفروغ عنه وضروريّ بناء على دعوة القرآن ، وإنّما الكلام نفي إله سواه - تعالى - وتقديسه عن الأضداد والأنداد ، فتكون ( إلّا ) بمعنى الغير فالمعنى : لا إله غير اللّه . وكذلك الكلام في المقام ، فليس معنى
« أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ »
نفي الآلهة المعبودة أوّلا ، واستثناء المعبود بالحقّ من المنفيّ ثانيا ، بل المراد بعد بداهة ثبوته تعالى تقديسه - سبحانه - ونفي معبود سواه . وهذا الّذي ذكرنا بناء على عدم شمول الإله المستثنى منه للّه تعالى ، فتكون إلّا في كلمة الإخلاص بمعنى الغير وفيما نحن فيه ، حيث إنّ الاستثناء مفرّغ يكون العامل فيما بعد إلّا ما قبلها ، وليس ما بعد إلّا داخلا فيما قبله ليخرج ب « إلّا » .