فتلخّص أنّ الآية الكريمة لبيان توحّده - تعالى - في المعبوديّة ، وإبطال معبود سواه في مقابل من عبد آلهة من دون اللّه . بعبارة أخرى إبطال لمقالة من اتّخذ سوى اللّه - تعالى - معبودا ، وإنكار عليه وكفر بكلّ مطاع دونه سبحانه ، وكلّ معبود سواه . فعلى هذا يكون قوله تعالى :
« وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً »
جملة مستقلّة في إبطال الشركاء في عرضه - تعالى - وفي طوله .
قوله تعالى :
« وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ » .
قد تقدّم تفسير الربّ في سورة الفاتحة . فربوبيّته - تعالى - المطلقة إعمال التدبير العمدي في جليل أمور الخلقة ودقيقها . وهذا إنّما هو بلحاظ مالكيّته - تعالى - على الخلق بالمالكيّة الذاتيّة ، وهو يتصرّف في خلقه كيف شاء طبق حكمته البالغة ، وهذا حقّ ثابت له تعالى لا شريك له ولا ضدّ ولا ندّ ، وله سلطان كلّ شيء والتصرّف فيه بما يراه ويريده . ومن جملة هذا التدبير التصرّف في خلقه في أمور تشريعهم وتقنينهم ، ووضع الحدود والأحكام لهم . فله - سبحانه - سلطان التكوين والتشريع ؛ وهو وليّ الأمر والنهي في خلقه ومالك القبض والبسط ، فجميع ما سواه - سبحانه - عباد مربوبون لا يجوز لهم التصرّف في شؤونهم وشؤون ما سواهم إلّا عن إذن من اللّه سبحانه ، فليس لأحد التصرّف في سلطان المولى واغتصاب مقام التشريع ، ولو ارتكب محرّما وأحدث حدثا وأبدع بدعة يردّ عليه ويضرب به وجهه ، وليس لأحد أيضا الإذعان لحكم المتجاوزين والائتمار بأمرهم والانتهاء بنهيهم ، ولو فعل وأطاع فقد اتّخذ هوى نفسه ربّا ، وعبد صنما من دون اللّه . قال تعالى :
« أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ »
و
« أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » .
[ النمل ( 27 ) / 61 و 64 ]
و
« أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ » .
[ المائدة ( 5 ) / 50 ]
فتبيّن أنّه لا يصحّ اتّخاذ بعض الناس بعضهم أربابا من دون اللّه بالضرورة العقليّة ، كما لا يصحّ لهم أن يجعلوا أنفسهم أربابا من دون اللّه . قال تعالى :